ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

87

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

هذا سبيله ؛ وذاك أنه لا يكون إلا فيما دل الكلام عليه ، ألا ترى أن التي تبلغ التراقي إنما هي النفس ، وذلك عند الموت ، فعلم حينئذ أن النفس هي المرادة ، وإن كان الكلام خاليا عن ذكرها ، وكذلك قول حاتم « حشرجت » فإن الحشرجة إنما تكون عند الموت . وأما قول العرب « أرسلت » وهم يريدون أرسلت السماء فإن هذا يقولونه نظرا إلى الحال ، وقد شاع فيما بينهم أن هذه كلمة تقال عند مجيء المطر ، ولم ترد في شيء من أشعارهم ، ولا في كلامهم المنثور ، وإنما يقولها بعضهم لبعض إذا جاء المطر ، فالفرق بينها وبين « حشرجت » وبين ( بلغت التراقي ) ظاهر ، وذاك أنّ « حشرجت » و ( بلغت التراقي ) يفهم منها أن النفس التي حشرجت ، وأنها هي التي بلغت التراقي ، وأما « أرسلت » فلولا شاهد الحال وإلا لم يجز أن تكون دالة على مجيء المطر ، ولو قيل في معرض الاستسقاء : إنا خرجنا نسأل اللّه فلم نزل حتى أرسلت ؛ لفهم من ذلك أن التي أرسلت هي السماء ، ولا بد في الكلام من دليل على المحذوف ، وإلا كان لغوا لا يلتفت إليه . الضرب الثاني : حذف الفعل وجوابه ؛ اعلم أن حذف الفعل ينقسم قسمين : أحدهما يظهر بدلالة المفعول عليه ، كقولهم في المثل : أهلك واللّيل ، فنصب « أهلك والليل » يدل على محذوف ناصب ، تقديره : الحق أهلك وبادر اللّيل ، وهذا مثل يضرب في التحذير ؛ وعليه ورد قوله تعالى : فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ومما ورد منه في الأخبار النبوية أن جابرا تزوج فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما تزوجت ؟