ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
65
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
بعضه ؛ لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى عليه السلام أن يسلك معهم طريق الإنصاف والملاطفة في القول ، ويأتيهم من جهة المناصحة ، ليكون أدعى إلى سكونهم إليه ؛ فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله ، وأدخل في تصديقهم إياه ، فقال : وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم وهو كلام المنصف في مقابلة غير المشتطّ ، وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به ، لكنه أردف بقوله : يصبكم بعض الذي يعدكم ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام ، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا ، فضلا عن أن يتعصّب له ، وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل ؛ كأنه برطلهم في صدر الكلام بما يزعمونه ؛ لئلا ينفروا منه ، وكذلك قوله في آخر الآية : إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب أي : هو على الهدى ، ولو كان مسرفا كذابا لما هداه اللّه للنبوّة ، ولا عضّده بالبينات ، وفي هذا الكلام من خداع الخصم واستدراجه ما لا خفاء به ، وقد تضمن من اللطائف الدقيقة ما إذا تأملته حقّ التأمل أعطيته حقه من الوصف . ومما يجري على هذا الأسلوب قوله تعالى : واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا . إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا . يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا . يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا هذا كلام يهزّ أعطاف السامعين ، وفيه من الفوائد ما أذكره ، وهو لما أراد إبراهيم عليه السلام أن ينصح أباه ويعظه وينقذه مما كان متورّطا فيه من الخطأ العظيم الذي عصى به أمر العقل ؛ رتّب الكلام معه في أحسن نظام ، مع استعمال المجاملة واللطف والأدب الحميد والخلق الحسن ، مستنصحا في ذلك بنصيحة ربه ، وذاك أنه طلب منه أولا العلّة في خطيئته طلب منبّه على تماديه موقظ من غفلته ؛ لأن المعبود لو كان حيّا مميزا سميعا بصيرا مقتدرا على الثواب والعقاب إلا أنه بعض الخلق يستخفّ عقل من أهّله للعبادة ووصفه بالربوبية ، ولو كان أشرف الخلائق كالملائكة والنبيين ، فكيف بمن جعل المعبود جمادا لا يسمع ولا يبصر ، يعني به الصنم ، ثم ثنّى ذلك بدعوته إلى الحق مترفّقا به ، فلم يسم أباه