ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

66

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

بالجهل المطلق ، ولا نفسه بالعلم الفائق ، ولكنه قال : إنّ معي لطائفة من العلم وشيئا منه ، وذلك علم الدلالة على سلوك الطريق ، فلا تستنكف ؛ وهب أني وإياك في مسير ، وعندي معرفة بهداية الطريق دونك ، فاتّبعني أنجك من أن تضل ، ثم ثلّث ذلك بتثبيطه عما كان عليه ونهيه ، فقال : إن الشيطان الذي استعصى على ربك وهو عدوّك وعدو أبيك آدم هو الذي ورّطك في هذه الورطة ، وألقاك في هذه الضلالة ، وإنما ألغى إبراهيم عليه السلام ذكر معاداة الشيطان آدم وذريته في نصيحة أبيه لأنه لإمعانه في الإخلاص لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص باللّه ، وهي عصيانه واستكباره ، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته آدم وذريته ، ثم ربّع ذلك بتخويفه إياه سوء العاقبة ، فلم يصرّح بأن العقاب لاحق به ، ولكنه قال : إني أخاف أن يمسك عذاب فنكر العذاب ملاطفة لأبيه ، وصدّر كل نصيحة من هذه النصائح بقوله : يا أبت توسّلا إليه واستعطافا ، وهذا بخلاف ما أجابه به أبوه ، فإنه قال : أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم فأقبل عليه بفظاظة الكفر ، وغلظ العناد ، فناداه باسمه ، ولم يقابل قوله يا أبت بقوله يا بنيّ وقدّم الخبر على المبتدأ في قوله : أراغب أنت لأنه كان أهمّ عنده ، وفيه ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته . وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة من هذا الجنس ، لا سيما في مخاطبات الأنبياء صلوات اللّه عليهم للكفار ، والرد عليهم ، وفي هذين المثالين المذكورين هاهنا كفاية ومقنع . وبلغني حديث تفاوض فيه الحسين بن عليّ رضي اللّه عنهما ومعاوية بن أبي سفيان في أمر ولده يزيد ، وذاك أن معاوية قال للحسين : أما أمّك فاطمة فإنها خير من أمه ، وبنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خير من امرأة من كلب ، وأما حبّي يزيد فإني لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة لما رضيت ، وأما أبوك وأبوه فإنهما تحاكما إلى اللّه فحكم لأبيه على أبيك ؛ وهذا كلام من معاوية كلما أمررته بفكري عجبت من سداده ، فضلا عن بلاغته وفصاحته ، فإن معاوية علم ما لعلي رضي اللّه عنه من السّبق إلى الإسلام والأثر فيه ، وما عنده من فضيلة العلم ، فلم يعرض في المنافرة