ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

323

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

النوع السابع والعشرون في التضمين وهذا النوع فيه نظر بين حسن يكتسب به الكلام طلاوة وبين معيب عند قوم ، وهو عندهم معدود من عيوب الشعر ، ولكل من هذين القسمين مقام . فأما الحسن الذي يكتسب به الكلام طلاوة فهو : أن يضمن الآيات والأخبار النبوية ، وذلك يرد على وجهين : أحدهما : تضمين كلي ، والآخر تضمين جزئي . فأما التضمين الكلي فهو : أن تذكر الآية والخبر بجملتهما ، وأما التضمين الجزئي فهو : أن تدرج بعض الآية والخبر في ضمن كلام ؛ فيكون جزأ منه كالذي أوردته في حل الآيات والأخبار في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب ، وقد قيل : إنه لا يجوز درج آيات القرآن الكريم في غضون الكلام من غير تبيين ، كي لا يشتبه ، وهذا القول لا أقول به ؛ فإن القرآن الكريم أبين من أن يحتاج إلى بيان ، وكيف يخفى وهو المعجز الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ، فإن كانت المفاوضة في التفرقة بينه وبين غيره من الكلام إذا أدرج فيه مع جاهل لا يعرف الفرق فذاك لا كلام معه ، وإن كان الكلام مع عالم بذلك فذاك لا يخفي عنه القرآن الكريم من غيره . ومذهبي في هذا هو ما تقدم ذكره في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب ، وهو أحسن الوجهين عندي ، وذاك أنه لا تؤخذ الآية بكمالها ، بل يؤخذ جزء منها ويجعل أوّلا لكلام أو آخرا ، هذا إذا لم يقصد به التضمين ؛ فأما إذا قصد التضمين فتؤخذ الآية بكمالها وتدرج درجا ، وهذا ينكره من لم يذق ما ذقته من طعم البلاغة ، ولا رأى ما رأيته .