ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
324
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وأما المعيب عند قوم فهو تضمين الإسناد ، وذلك يقع في بيتين من الشعر ، أو فصلين من الكلام المنثور ، على أن يكون الأول منهما مسندا إلى الثاني ؛ فلا يقوم الأول بنفسه ، ولا يتم معناه إلا بالثاني ، وهذا هو المعدود من عيوب الشعر ، وهو عندي غير معيب ؛ لأنه إن كان سبب عيبه أن يعلّق البيت الأول على الثاني فليس ذلك بسبب يوجب عيبا ؛ إذ لا فرق بين البيتين من الشعر في تعلق أحدهما بالآخر وبين الفقرتين من الكلام المنثور في تعلق إحداهما بالأخرى ؛ لأن الشعر هو : كل لفظ موزون مقفّى دلّ على معنى ، والكلام المسجوع هو : كل لفظ مقفى دل على معنى ؛ فالفرق بينهما يقع في الوزن لا غير . والفقر المسجوعة التي يرتبط بعضها ببعض قد وردت في القرآن الكريم في مواضع منه ؛ فمن ذلك قوله عز وجل في سورة الصافات : فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون . قال قائل منهم إني كان لي قرين . يقول أإنك لمن المصدقين . أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون فهذه الفقر الثلاث الأخيرة مرتبط بعضها ببعض ؛ فلا تفهم كل واحدة منهن إلا بالتي تليها ، وهذا كالأبيات الشعرية في ارتباط بعضها ببعض ، ولو كان عيبا لما ورد في كتاب اللّه عز وجل . وكذلك ورد قوله تعالى في سورة الصافات أيضا : فإنكم وما تعبدون . ما أنتم عليه بفاتنين . إلا من هو صال الجحيم فالآيتان الأوليان لا تفهم إحداهما إلا بالأخرى . وهكذا ورد قوله عز وجل في سورة الشعراء : أفرأيت إن متعناهم سنين . ثم جاءهم ما كانوا يوعدون . ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون فهذه ثلاث آيات لا تفهم الأولى ولا الثانية إلا بالثالثة ، ألا ترى أن الأولى والثانية في معرض استفهام يفتقر إلى جواب ، والجواب هو في الثالثة . ومما ورد من ذلك شعرا قول بعضهم :