ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

319

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

النوع السادس والعشرون في الاشتقاق اعلم أن جماعة علماء البيان يفصلون الاشتقاق عن التجنيس ، وليس الأمر كذلك ، بل التجنيس أمر عام لهذين النوعين من الكلام ، وذاك أن التجنيس في أصل الوضع من قولهم : جانس الشيء الشيء ؛ إذا ماثله وشابهه ، ولما كانت الحال كذلك ووجدنا من الألفاظ ما يتماثل ويتشابه في صيغته وبنائه علمنا أن ذلك يطلق عليه اسم التجنيس ، وكذلك لما وجدنا من المعاني ما يتماثل ويتشابه علمنا أن ذلك يطلق عليه اسم التجنيس أيضا ؛ فالتجنيس إذن ينقسم قسمين : أحدهما تجنيس في اللفظ ، والآخر تجنيس في المعنى ؛ فأما الذي يتعلق باللفظ فإنه لم ينقل عن بابه ولا غير اسمه ، وقد تقدم ذكره في باب الصناعة اللفظية ، وأما الذي يتعلق بالمعنى فإنه نقل عن بابه في التجنيس ، وسمي الاشتقاق : أي أحد المعنيين مشتق من الآخر . وهو على ضربين : صغير ، وكبير . فالصغير : أن تأخذ أصلا من الأصول فتجمع بين معانيه ، وإن اختلفت صيغه ومبانيه ، كترتيب س ل م ؛ فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه ؛ نحو سلم وسالم وسلمان وسلمى ، والسّليم اللديغ أطلق عليه ذلك تفاؤلا بالسلامة . والأصل في ذلك أن يضع واضع اللغة اسما أولا لمسمى أول ، ثم يجد مسمى آخر أو مسميات شبيهة بالمسمى الأول فيضع لها اسما كالاسم الأول ، كقوله ضرير اسم للأعمى ، والضر : ضد النفع ، والضّرّاء : الشدة من الأمر ، والضر - بالضم - : الهزال وسوء الحال ، والضرر : الضيق ، والضّرّة : إحدى الزوجتين ؛ فإن هذه المسميات كلها تدلّ على الأذى والشر ، وأسماؤها متشابهة لم تخرج عن الضاد والراء ، إلا أنا الآن لا نعلم ما هو الأول منها حتى نحكم على الثاني أنه مشتق منه ،