ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
300
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
فإنه مدح ملكا بالجود بماعونه ، والماعون : كل ما يستعار من قدوم أو قصعة أو قدر ، أو ما أشبه ذلك ، وليس للملوك في بذله مدح ، ولا لأوساط الناس أيضا ، وفي مدح السوقة به قولان ، ومدح الملوك به عيب وذم فاحش ، وهذا من أقبح التفريط . ومما يجري هذا المجرى قول الفرزدق « 1 » : ألا ليتنا كنّا بعيرين لا نرد * على حاضر إلّا نشلّ ونقذف « 2 » كلانا به عرّ يخاف قرافه * على النّاس مطليّ المساعر أخشف « 3 »
--> ( 1 ) هذان البيتان من قصيدة له أولها قوله : عزفت بأعشاش وما كدت تعزف * وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف يريد انصرفت نفسك عما كنت فيه من باطلك ، وحدراء : امرأته . ( 2 ) رواية الديوان والنقائض « فيا ليتنا كنا بعيرين لا نرد على منهل » وذكر شارح النقائض أنه يروي « لا نرى على حاضر » والمنهل : الماء في الآبار ، والحاضر : أصله القوم عند الماء ، وأراد منه هاهنا الماء ، ونشل : نطرد ، ونقذف : نرمي بالحجارة . ( 3 ) العر - بفتح العين - الجرب ، والعر - بضم العين - قرح ليس بالجرب ، وقوله « يخاف قرافه » يعني يتقي لئلا يعديها بجربه ؛ ووقع في ا ، ب ، ج « مجاف قرافه » وهو تحريف . والمساعر : أصول الفخذين والإبطين ، ووقع في ا ، ب ، ج « المشاعر » وأخشف : يابس الجلد من الجرب ، وبعد البيتين قوله : بأرض خلاء وحدنا ، وثيابنا * من الرّيط والدّيباج درع وملحف ولا زاد إلّا فضلتان سلافة * وأبيض من ماء الغمامة قرقف وأشلاء لحم من حبارى يصيدها * إذا نحن شئنا صاحب متألّف لنا ما تمنّينا من العيش ما دعا * هديلا حمامات بنعمان هتّف وقد تبع كثير عزة الفرزدق في هذه الأمنية حيث يقول : وددت وبيت اللّه أنّك بكرة * وأنّي هجان مصعب ثمّ نهرب كلانا به عرّ فمن يرنا يقل * على حسنها جرباء تعدي وأجرب نكون لذي مال كثير مغفّل * فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب إذا ما وردنا منهلا صاح أهله * علينا فلا ننفكّ نرمى ونضرب ويروى أن عزة حين سمعت ذلك قالت : لقد أردت بنا الشقاء : أما وجدت أمنية أوطأ من هذه ؟ ! . وأقبح من هذين ومن كل أمنية قول الآخر : سلّام ؛ ليت لسانا تنطقين به * قبل الّذي ناله من صوته قطعا