ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
299
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
والتفريط والإفراط هما الطرفان البعيدان ، والاقتصاد هو الوسط المعتدل ؛ وقد نقلت هذه المعاني الثلاثة إلى هذا النوع من علم البيان . أما الاقتصاد فهو : أن يكون المعنى المضمر في العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه في منزلته . أما التفريط والإفراط فهما ضدان : أحدهما : أن يكون المعنى المضمر في العبارة دون ما تقتضيه منزلة المعبر عنه ، والآخر : أن يكون المعنى فوق منزلته . والتفريط في إيراد المعاني الخطابية قبيح لا يجوز استعماله بوجه من الوجوه ، والإفراط يجوز استعماله ؛ فمنه الحسن ، ومنه دون ذلك . فمما جاء من التفريط قول الأعشى « 1 » : وما مزبد من خليج الفرا * ت جون غواربه تلتطم « 2 » بأجود منه بماعونه * إذا ما سماؤهم لم تغم « 3 »
--> ( 1 ) البيتان من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس ، وأولها قوله : أتهجر غانية أم تلمّ * أم الحبل واه بها منجذم أم الصّبر أحجى فإنّ امرأ * سينفعه علمه إن علم انظر ديوانه ( ص 28 طبع بيانة ) . ( 2 ) المزبد : الموج ، وأراد به ماءه ، والجون : الأسود ، وإذا وصف الماء بالسواد عني أنه كثير ، والغوارب : جمع غارب ، وغارب كل شيء : أعلاه . والبيتان غير متصلين في الديوان ، وبينهما قوله : يكبّ الخليّة ذات القلا * ع قد كاد جؤجؤها ينحطم تكأكأ ملّاحها وسطها * من الخوف كوثلها يلتزم الخلية : السفينة الكبيرة ، والقلاع : الشراع ، وجؤجؤها : صدرها ، وينحطم : يتكسر ، وتكأكأ : تمايل ، أو تأخر ، وانتصب « وسطها » على الظرفية ، وانتصب « كوثلها » لأنه مفعول مقدم ليلتزم . ( 3 ) هذه رواية أبي عبيدة في هذا البيت وفسر الماعون بالعطية ، ورواه ثعلب : بأجود منه بما عنده * إذا ما سماؤهم لم تغم