ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
294
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ولتبتغوا من فضله فلما قدم الليل في الذكر على النهار قدم سبب الليل ، وهو السكون ، على سبب النهار ، وهو التعيش . ومن ذلك ما كتبته في كتاب تعزية ، وهو فصل منه ، قلت : ولقد أوحشت منه المعالي كما أوحشت المنازل ، وآتت المكارم كما آمت الحلائل ، وعمّت لوعة خطبه فما تشتكي ثكلى إلا إلى ثاكل ، وما أقول فيمن عدمت الأرض منه حياها ، والمحامد محياها ، فلو نطق الجماد بلسان ، أو تصور المعنى لعيان ؛ لأعربت تلك من ظمأ صعيدها ، وبرزت هذه حاسرة حول فقيدها . ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان ؛ فقلت : وما زالت أيادي سيدنا متنوعة في زيادة جودها وكتابها ، فهذه متطوّلة بترقية وردها وهذه آخذة بسنة أغبابها ، وأحسن ما في الأولى أنها تأتي متحلية بفواضل الإكثار ، وفي الثانية أنها تأتي متحلية بفضائل الاختصار ؛ فاختصار هذه في فوائد أقلامها ، كتطويل تلك في عوائد إنعامها ، وقد أصبحت خواطري مستغرقة بإنشاء القول المبتكر ، في شكر الفضل المطول وجواب البيان المختصر ، وما جعل اللّه لها من سلطان البلاغة ما يستقلّ بأداء حقوق تنقل على الرقاب ، ومقابلة بلاغات تثقل على الألباب . ومما جاء من ذلك شعرا قول إبراهيم بن العباس « 1 » : لنا إبل كوم يضيق بها الفضا * ويفترّ عنها أرضها وسماؤها فمن دونها أن تستباح دماؤنا * ومن دوننا أن تستباح دماؤها « 2 » حمى وقرى فالموت دون مراحها * وأيسر خطب يوم حقّ فناؤها « 3 » وهذه الأبيات من نادر ما يجيء في هذا الباب معنى وترتيب تفسير .
--> ( 1 ) هو إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول تكين ، والأبيات الثلاثة في ديوانه ( ص 153 ) في الافتخار . ( 2 ) في الديوان « ومن دونها أن يستذم دماؤها » وما هنا أروع . ( 3 ) في ا ، ب ، ج « دون مرامها » وهو تصحيف ، وصوابه عن الديوان .