ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
26
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
الفصل الأول في موضوع علم البيان موضوع كل علم : هو الشيء الذي يسأل فيه عن أحواله التي تعرض لذابته ؛ فموضوع الفقه هو أفعال المكلفين ، والفقيه يسأل عن أحوالها التي تعرض لها : من الفرض والنقل والحلال والحرام والندب والمباح ، وغير ذلك ، وموضوع الطب هو بدن الإنسان ، والطبيب يسأل عن أحواله التي تعرض له من صحته وسقمه ، وموضوع الحساب هو الأعداد ، والحاسب يسأل عن أحوالها التي تعرض لها من الضرب والقسمة والنسبة ، وغير ذلك ، وموضوع النحو هو الألفاظ والمعاني ، والنحوي يسأل عن أحوالهما في الدلالة من جهة الأوضاع اللغوية ، وكذلك يجري الحكم في كل علم من العلوم ، وبهذا الضابط انفرد كل علم برأسه ، ولم يختلط بغيره ، وعلى هذا فموضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة ، وصاحبه يسأل عن أحوالهما اللفظية والمعنوية ، وهو والنحوي يشتركان في أن النحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي ، وتلك دلالة عامة ، وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة ، وهي دلالة خاصة ، والمراد بها أن يكون على هيئة مخصوصة من الحسن ، وذلك أمر وراء النحو والإعراب ، ألا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور ويعلم مواقع إعرابه ، ومع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة ، ومن ههنا غلط مفسرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعنى وما فيها من الكلمات اللغوية ، وتبيين مواضع الإعراب منها ، دون شرح ما تضمنته من أسرار الفصاحة والبلاغة .