ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

27

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

الفصل الثاني في آلات علم البيان وأدواته اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة ، وقد قيل : ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم ، حتى قيل : كل ذي علم يسوغ له أن ينسب نفسه إليه فيقول : فلان النحوي ، وفلان الفقيه ، وفلان المتكلم ، ولا يسوغ له أن ينسب نفسه إلى الكتابة فيقول : فلان الكاتب ، وذلك لما يفتقر إليه من الخوض في كل فن . وملاك هذا كله الطبع « 1 » ؛ فإنه إذا لم يكن ثم طبع فإنه لا تغني تلك الآلات شيئا ، ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد في الزناد والحديدة التي يقدح بها ؛ ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار لا تفيد تلك الحديدة شيئا ؟ . وكثيرا ما رأينا وسمعنا من غرائب الطباع في تعلم العلوم ، حتى إن بعض الناس يكون له نفاذ في تعلم علم مشكل المسلك صعب المأخذ ، فإذا كلف تعلم ما هو دونه من سهل العلوم نكص على عقبيه ، ولم يكن له فيه نفاذ . وأغرب من ذلك أن صاحب الطبع في المنظوم يجيد في المديح دون الهجاء ، أو في الهجاء دون المذيح ، أو يجيد في المراثي دون التهاني ، أو في التهاني دون المراثي ، وكذلك صاحب الطبع في المنثور ؛ هذا ابن الحريري صاحب المقامات ؛ قد كان - على ما ظهر عنه من تنميق المقامات - واحدا في فنه ، فلما حضر ببغداد ووقف على مقاماته قيل : هذا يستصلح لكتابه الإنشاء في ديوان الخلافة ، ويحسن أثره فيه ، فأحضر ، وكلف كتابة كتاب ، فأفحم ، ولم يجر لسانه في طويلة ولا قصيرة ، فقال فيه بعضهم :

--> ( 1 ) ملاك الشيء - بكسر الميم بزنة كتاب ، وبفتح الميم أيضا بزنة سحاب - : هو ما يقوم به الشيء ومن هذا قولهم : القلب ملاك الجسد .