ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
256
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
استهداء الرطب ، وجعلت بعضه آخذا برقاب بعض ، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد ؟ وكذلك فليكن التخلص من معنى إلى معنى . وهذا القدر من الأمثلة كاف للمتعلم . ومما أستظرف من هذا النوع في الشعر قول ابن الزمكدم الموصلي ، وهو : وليل كوجه البرقعيديّ مظلم * وبرد أغانيه وطول قرونه سريت ونومي فيه نوم مشرّد * كعقل سليمان بن فهد ودينه على أولق فيه التفات كأنه * أبو جابر في خبطه وجنونه إلى أن بدا ضوء الصّباح كأنّه * سنا وجه قرواش وضوء جبينه وهذه الأبيات لها حكاية ، وذاك أن هذا الممدوح ، وهو شرف الدولة قرواش ملك العرب ، وكان صاحب الموصل ؛ فاتفق أنه كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء ، وفي جملتهم هؤلاء الذين هجاهم الشاعر ، وكان البرقعيدي مغنيا ، وسليمان بن فهد وزيرا ، وأبو جابر حاجبا ، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو المذكورين ويمدحه ؛ فأنشد هذه الأبيات ارتجالا ، وهي غريبة في بابها : لم يسمع بمثلها ، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها ، حتى رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة ، فابتدأ البيت الأول يهجو البرقعيدي ؛ فجاءه في ضمن مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء جميعها ، وهي الظلمة والبرد والطول ، ثم إن هذه الأوصاف الثلاثة جاءت ملائمة لما شبهت به مطابقة له ، وكذلك البيت الثاني والثالث ، ثم خرج إلى المديح بألطف وجه ، وأدقّ صنعة ، وهذا يسمى الاستطراد ، وما سمعت في هذا الباب بأحسن من هذه الأبيات . ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن الحجاج البغدادي ، وهي أبيات لطيفة جدا « 1 » : ألا يا ماء دجلة لست تدري * بأنّي حاسد لك طول عمري
--> ( 1 ) هذه الأبيات في معاهد التنصيص ( ص 629 بولاق ) بهذا الترتيب .