ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

255

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

ومما ينتظم في هذا العقد ما ذكرته في مفتتح كتاب يتضمن عناية ببعض المتظلمين ، فاستطردت فيه المعنى إذ ذكر المكتوب إليه ؛ وهو : هدايا المكارم أنفس من هدايا الأموال ، وأبقى على تعاقب الأيام والليال ، وقد حمل هذا الكتاب منها هدية تورث حمدا وتكسب مجدا ، وهي خير ثوابا وخير مردّا ، ولا يسير بها إلا سجية طبعت على الكرم ، وخلقت من عنصر الدّيم ، كسجية مولانا أعلاه اللّه علوّا تفخر به الأرض على السماء ، وتحسده شمس النهار ونجوم الظلماء ، ولا زالت أياديه مخجلة صوب الغمام ، معدية على نوب الأيام . مغنية بشرف فضلها على شرف الأخوال والأعمام ، وتلك الهديّة هي تجريد الشفاعة في أمر فلان ومن إيمان المرء سعيه في حاجة أخيه ، وإن لم يمسّه بشيء من أسباب أواخيه ؛ فإن المؤمنين إخوة وإن تباينت مناسبهم ، وتفاوتت مراتبهم ، ومن صفتهم أن يسعى بذمّتهم أدناهم ، وخيرهم من عناه من الأمر ما عناهم . ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب . ومن ذلك ما كتبته من كتاب إلى صديق استحدثت مودته ، وهو من أهل العراق ، وكنت اجتمعت به بالموصل ثم سارعني ، فكتبت إليه أستهديه رطبا ؛ فقلت : هذه المكاتبة ناطقة بلسان الشوق الذي تزف كلمه زفيف الأوراق ، وتسجع سجع ذوات الأطواق ، وتهتف وهي مقيمة بالموصل فتسمع من هو مقيم بالعراق ، وأبرح الشوق ما كان عن فراق غير بعيد ، وودّ استجدت حلته واللذة مقترنة بكل شيء جديد ، وأرجو ألّا يبلى قدم الأيام لهذه الجدة لباسا ، وأن يعاذ من نظرة الجن والإنس حتى لا يخشى جنة ولا بأسا ، وقد قيل : إن للمودّات طعما كما أن لها وسما ، وإن ذا اللب يصادق نفسا قبل أن يصادق جسما ، وإني لأجد لمودّة سيدنا حلاوة يستلذ دوامها ، ولا يمل استطعامها ، وقد أذكرتني الآن بحلاوة الرطب الذي هو من أرضها ، وغير عجيب لمناسبة الأشياء أن يذكّر بعضها ببعضها ، إلا أن هذه الحلاوة تنال بالأفواه وتلك تنال بالأسرار ، وفرق بين ما يغترس بالأرض وما يغترس بالقلب في شرف الثمار ؛ فلا ينظر سيدنا عليّ في هذا التمثيل ، ولربما كان ذلك تعريضا ينوب مناب التطفيل . وهذا من التخلصات البديعة ؛ فانظر أيها المتأمل كيف سقت الكلام إلى