ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

241

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

للكتاب كما تعطى لمرسله ، وكل منهما يوفّى حق قدره وينزل في منزله ، وكذلك فعل الخادم بكتاب المجلس السامي الفلاني لا زال محله أنيسا ، وذكره للفرقدين جليسا ، وسعيه على المكارم حبيسا ، ومجده جديد الملابس إذا كان المجد لبيسا . وهاهنا ذكرت من هذا الكتاب « 1 » كما ذكرته من الذي قبله فإني لم أذكر إلا مبدأه الذي هو الغرض . ومما ينتظم في هذا السلك ما كتبته في صدر كتاب يتضمن تعزية ، وهو : لو لم يلبس قلمي ثوب الحداد لهجر مداده ، ونضي عنه سواده ، وبعد عن قرينته ، وعاد إلى طينته ، وحرم على نفسه أن يمتطي يدا ، أو يجري إلى مدى ، لكنه أحدّ فندب ، وبكى فسكب ، وسطر هذا الكتاب من دموعه ، وضمنه ما حملته أحناء ضلوعه ، وإنما استعار ذلك من صاحبه الذي أعداه ، وأبدى إليه من حزنه ما أبداه ، وهو نائب عنه في تعزية سيدنا أحسن اللّه صبره ، ويسر أمره ، وأرضى عنه دهره . . ثم أنهيت الكتاب إلى آخره . ومن محاسن هذا الباب أن يفتتح الكتاب بآية من القرآن الكريم ، أو بخبر من الأخبار النبوية ، أو ببيت من الشعر ، ثم يبني الكتاب عليه . فمن ذلك ما كتبته في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح ، وهو : ومن طلب الفتح الجليل فإنّما * مفاتيحه البيض الخفاف الصّوارم « 2 » وقد أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم ، وجعلنا السيف وسيلة إلى استنتاج الملك العقيم ، وراية المجد لا تنصب إلا على النّصب ، والراحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من التعب « 3 » ، وكتابنا هذا وقد استولينا على مملكة فلانة ، وهي المملكة التي

--> ( 1 ) في ا ، ب ، ج « وهاهنا ذكرت في هذا الكتاب - الخ » . ( 2 ) هذا البيت من قصيدة لأبي الطيب المتنبي يمدح فيها سيف الدولة ، وأولها قوله : على قدر أهل العزم تأتي العزائم * وتأتي على قدر الكرام المكارم ( 3 ) يشير بهذا إلى قول أبي تمام : بصرت بالرّاحة الكبرى فلم ترها * تنال إلّا على جسر من التّعب