ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

242

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

تمسي الآمال دونها صرعى ، وإذا قيس إليها غيرها من الممالك كانت أصلا وكان غيرها فرعا . وهذا فصل من أول الكتاب . ومن ذلك ما كتبته في مفتتح تقليد بالحسبة ، وهو : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون هذا أمر يشتمل على معنى الخصوص دون العموم ، ولا يختصّ به إلا ذوو الأوامر المطاعة وذوو العلوم ، وقد جمع اللّه لنا هذين الوصفين كليهما ، وجعلنا من المستحلفين عليهما ، فلنبدأ أولا بحمده الذي هو سبب للمزيد ، ثم لنأخذ في القيام بأمره الذي هو على كل نفس منه رقيب عتيد ، ولا ريب أن إصلاح العباد يسري إلى الأرض حتى تزكو بطونها وتنام عيونها ، ويشترك في بركات السماء ساكنها ومسكونها ، والأمر بذلك حمل إن لم تتوزّعه الأكفّ ثقل على الرقاب ، وإذا انتشرت أطراف البلاد فإنها تفتقر إلى مساعدة من مستنيب ومستناب ، وقد اخترنا لمدينة فلانة رجلا لم نأل في اختياره جهدا ، وقدّمنا فيه خيرة اللّه التي إذا صدقت نيتها صادفت رشدا ، وهو أنت أيها الشيخ فلان ، فابسط يدك بقوة إلى أخذ هذا الكتاب ، وكن كحسنة من حسناتنا التي يرجح بها ميزان الثواب ، وحقّق نظرنا فيك فإنه من نور اللّه الذي ليس دونه حجاب . فتأمل كيف فعلت في هذه الآية التي بنيت التقليد عليها ، وهو من محاسن المبادي والافتتاحات . وكذلك فعلت في موضع آخر ، وهو مفتتح كتاب كتبته إلى شخص كلفته السفارة إلى مخدومه في حاجة عرضت ، وهو : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا هذا القول تتبع آثاره ، وتحمل عليه أنظاره ، وأولى الناس بسيدنا من شاركه في لحمة أدبه ، وإن لم يشاركه في لحمة نسبه ؛ فإن المناقب أقارب والمآثر أواصر : وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي * إلّا امرؤ كان ذا فضل وذا أدب ونتيجة هذه المقدمة بعث خلقه الكريم على عوارف أفضاله ، واستهداء صنيعة جاهه