ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
224
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
قلت في الجواب : إن الغزل رقة محضة ، والألفاظ التي تنظم في الحوادث المشار إليها من فحل الكلام ومتين القول ، وهي ضدّ الغزل ، وأيضا فإن الأسماع تكون متطلعة إلى ما يقال في تلك الحوادث ، والابتداء بالخوض في ذكرها ، لا الابتداء بالغزل ؛ إذ المهم واجب التقديم . ومن أدب هذا النوع ألّا يذكر الشاعر في افتتاح قصيدة المديح ما يتطير منه ، وهذا يرجع إلى أدب النفس ، لا إلى أدب الدرس ؛ فينبغي أن يحترز منه في مواضعه ، كوصف الديار بالدّثور والمنازل بالعفاء ، وغير ذلك من تشتت الآلاف وذم الزمان ، لا سيما إذا كان في التهاني ؛ فإنه يكون أشد قبحا ، وإنما يستعمل ذلك في الخطوب النازلة والنوائب الحادثة ، ومتى كان الكلام في المديح مفتتحا بشيء من ذلك تطيّر منه سامعه . وإنما خصت الابتداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام ؛ فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفّرت الدواعي على استماعه ، ويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن ، كالتحميدات المفتتح بها أوائل السور ، وكذلك الابتداءات بالنداء ، كقوله تعالى في مفتتح سورة النساء : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وكقوله تعالى في أول سورة الحج : يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم فإن هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه ، وكذلك الابتداءات بالحروف ، كقوله تعالى : ألم * و طس و حم * وغير ذلك ؛ فإن هذا أيضا مما يبعث على الاستماع إليه ؛ لأنه يقرع السمع شيء غريب ليس له بمثله عادة ؛ فيكون ذلك سببا للتطلع نحوه والإصغاء إليه . ومن قبيح الابتداءات قول ذي الرمة : ما بال عينك منها الماء ينسكب « 1 »
--> ( 1 ) هذا صدر المطلع وعجزه قوله : كأنّه من كلى مفريّة سرب قال العباسي في معاهد التنصيص : « وكانت عين عبد الملك تدمع دائما ، فتوهم أنه خاطبه ، وعرض به ، فقال له : وما سؤالك عن هذا يا ابن الفاعلة ؟ ومقته ، وأمر بإخراجه » اه .