ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
220
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
هلك ، فأفكر وهو يكتب في إشارة عمياء لا تفهم ؛ ليضعها فيه يحذر بها ابن منقذ ، فأدّاه فكره أن كتب في آخر الكتاب عند إنهائه « إن شاء اللّه تعالى » ، وشدد إن وكسرها ، ثم سلم الكتاب إلى ابن صالح ، فوقف عليه ، وأرسله إلى ابن منقذ ، فلما صار في يده وعلم ما فيه قال : هذا كتاب صديقي ، وما يغشّني ، ولولا أنه يعلم صفاء قلب ابن صالح لي لما كتب إليّ ولا غرّني ، ثم عزم على العود ، وكان عنده ولده ، فأخذ الكتاب وكرّر نظره فيه ، ثم قال له : يا أبت ، مكانك ، فإن صديقك قد حذّرك ، وقال : لا تعد ، فقال : وكيف ؟ قال : إنه قد كتب إن شاء اللّه تعالى في آخر الكتاب ، وشدّد إن وكسرها ، وضبطها ضبطا صحيحا لا يصدر مثله عن سهو ، ومعنى ذلك أنه يقول : إنّ الملا يأتمرون بك ليقتلوك ، وإن شككت في ذلك فأرسل إلى حلب . وهذا من أعجب ما بلغني من حدّة الذهن وفطانة الخاطر ، ولولا أنه صاحب الحادثة المخوفة لما تفطّن إلى مثل ذلك أبدا ؛ لأنه ضرب من علم الغيب ، وإنما الخوف دلّه على استنباط ما استنبطه . ووجد لبعض الأدباء لغز في حمّام ؛ فمنه ما أجاد فيه ؛ كقوله : وقد أظلّتها سماء ذات نجوم ، لا استراق لها ولا رجوم ، وهي مركبة في فلك صحت استدارته ، وسكنت إدارته : أعجب بها من أنجم * عند الصّباح ظاهره لكنّها إذا بدا * نجم الظّلام غائره فهي على القياس جنة نعيم ، مبنية على لظى جحيم ، لا خلود فيها ولا مقام ، ولا تزاور بين أهلها ولا سلام ، أنهارها متدفقة ، ومياهها مترقرقة ، والأكواب بها موضوعة ، والنمارق عنها منزوعة : يطيع بها المولى أوامر عبده * ويصبح طوعا في يديه مقاتله ويرفع عنه التّاج عند دخوله * وتسلب من قبل الجلوس غلائله