ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
205
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وكذلك ورد قول بعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه ، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة رضي اللّه عنه ، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي رضي اللّه عنه : من مبلغ عنّي الوجيه رسالة * وإن كان لا تجدي لديه الرسائل تمذهبت للنّعمان بعد ابن حنبل * وفارقته إذ أعوزتك المآكل وما اخترت رأي الشّافعيّ تديّنا * ولكنّما تهوى الّذي منه حاصل وعمّا قليل أنت لا شكّ صائر * إلى مالك فافطن لما أنا قائل ومالك : هو مالك ابن أنس صاحب المذهب رضي اللّه عنه ، ومالك : هو خازن النار ، وهذه مغالطة لطيفة . ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول أبي العلاء بن سليمان في الإبل : صلب العصا بالضّرب قد دمّاها * تودّ أنّ اللّه قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها * محاله من رقه إياها فالضرب : لفظ مشترك ؛ يطلق على الضرب بالعصا ، وعلى الضّرب في الأرض ، وهو المسير فيها ، وكذلك دمّاها فإنه لفظ مشترك يطلق على شيئين : أحدهما يقال : دماه ؛ إذا أسال دمه ، ودماه ؛ إذا جعله كالدّمية ، وهي الصورة ، وهكذا لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثّعلب ، وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية ، يقال : أفناه ؛ إذا أذهبه ، وأفناه ؛ إذا أطعمه الفناء ، وهو عنب الثعلب ، والرشد والغوى : نبتان ، يقال : أغواه ؛ إذا أضلّه ، وأغواه ؛ إذا أطعمه الغوى ، ويقال : طلب رشدا ؛ إذا طلب ذلك النبت ، وطلب رشدا ؛ إذا طلب الهداية ، وبعض الناس يظن هذه الأبيات من باب اللغز ، وليس كذلك ؛ لأنها تشتمل على ألفاظ مشتركة ، وذلك معنى ظاهر يستخرج من دلالة اللفظ عليه ، واللغز : هو الذي يستخرج من طريق الحزر والحدس ، لا من دلالة اللفظ عليه ، وسأوضح ذلك إيضاحا جليّا في النوع الحادي والعشرين ، وهو الذي يتلو هذا النوع ؛ فليؤخذ من هناك .