ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

206

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا ، فلقيهم رجل من العرب ، فقال : ممّن القوم ؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من ماء » ، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول : من ماء ، من ماء ؛ لينظر أيّ بطون العرب يقال لها ماء ، فسار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لوجهته ، وكان قصده أن يكتم أمره ، وهذا من المغالطة المثلية ؛ لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ، ويجوز أن يكون المراد أن خلقهم من ماء . وقد جاءني شيء من ذلك من الكلام المنثور . فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد والثلج ؛ فقلت : ومن صفات هذا البرد أنه يعقد الدر في خلفه ، والدمع في طرفه ، وربما تعدّى إلى قليب الخاطر فأجفّه أن يجري بوصفه ؛ فالشمس مأسورة ، والنار مقرورة ، والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض ، ومسيلات الجبال أنهار غير أنها جامدة لم تخض . ومكان المغالطة من هذا الكلام في قولي : « والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض » فإن الشهباء من الخيل يقال فيها حولية : أي لها حول ، ويقال : إنها مروضة : أي ذلّلت للركوب ، وهذه الأرض مضى للثلج عليها حول فهي شهباء حولية ؛ وقولي : « لم ترض » أي لم تسلك بعد . ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم ؛ فقلت : ولقد نزلت منه بمهلّبي الصّنع ، أحنفي الأخلاق ، ولقيته فكأني لم أرع ممّن أحبّ بلوعة الفراق ، ولا كرامة للأهل والوطن حتى أقول إني قد استبدلت به أهلا ووطنا ، وعهدي بالأيام وهي من الإحسان فاطمة فاستولدتها بجواره حسنا . وهذه تورية لطيفة فإن فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والحسن رضي اللّه عنهما ولدها ، وفاطمة : هي اسم فاعلة من الفطام ، يقال : فطمت فهي فاطمة ، كما يقال : فطم فهو فاطم ، والحسن : هو الشيء الحسن . ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان ، فقلت :