ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
200
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين فقوله : ما نراك إلا بشرا مثلنا تعريض بأنهم أحقّ بالنبوة منه ، وأن اللّه لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم ، فقالوا : هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة فما جعلك أحق منهم بها ؟ ألا ترى إلى قولهم : وما نرى لكم علينا من فضل . وكان مروان بن الحكم واليا على المدينة من قبل معاوية فعزله ؛ فلما قدم عليه قال له : عزلتك لثلاث لو لم تكن إلا واحدة منهن لأوجبت عزلك : إحداهن أني أمّرتك على عبد اللّه بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه ، والثانية كراهتك أمر زياد ، والثالثة أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمر بن عثمان فلم تعدها ؛ فقال له مروان : أما عبد اللّه بن عامر فإني لا أنتصر منه في سلطاني ، ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موضعه ، وأما كراهتي أمر زياد فإن سائر بني أمية كرهوه ، وأما استعداء رملة على عمر بن عثمان فو اللّه إنه لتأتي على سنة وأكثر وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا ، يريد بذلك أن رملة بنت معاوية إنما استعدت لطلب الجماع ، فقال له معاوية : يا ابن الوزغ لست هناك ، فقال له مروان : هو ذاك ؛ وهذا من التعريضات اللطيفة . ومثله في اللطافة ما يروى عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وذاك أنه كان يخطب يوم جمعة ، فدخل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، فقال عمر : أيّة ساعة هذه ؟ فقال عثمان : يا أمير المؤمنين ، انقلبت من أمر السوق فسمعت النداء ، فما زدت على أن توضأت ، فقال عمر : والوضوء أيضا ، وقد علمت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يأمرنا بالغسل ؛ فقوله « أية ساعة هذه » تعريض بالإنكار عليه لتأخره عن المجيء إلى الصلاة وترك السبق إليها ؛ وهو من التعريض المعرب عن الأدب . ووقفت في كتاب العقد على حكاية تعريضية حسنة الموقع ، وهي أن امرأة وقفت على قيس بن عبادة ؛ فقالت ، أشكو إليك قلة الفأر في بيتي ؛ فقال : ما أحسن ما ورّت عن حاجتها ، املئوا لها بيتها خبزا وسمنا ولحما . ومن خفي التعريض وغامضه ما ورد في الحديث النبوي ، وهو أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خرج