ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
201
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وهو محتضن أحد ابني ابنته ، وهو يقول : « واللّه إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون ، وإنكم لمن ريحان اللّه ، وإنّ آخر وطأة وطئها اللّه بوجّ » اعلم أنّ وجّا واد بالطائف ، والمراد به غزاة حنين ، وحنين : واد قبل وجّ ؛ لأن غزاة حنين آخر غزاة أوقع بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع المشركين ، وأما غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة : أي قتال ، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدو ولا قتال ، ووجه عطف هذا الكلام وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « وإن آخر وطأة وطئها اللّه بوج » على ما قبله من الحديث هو التأسّف على مفارقة أولاده ؛ لقرب وفاته ؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان ، ووفاته صلّى اللّه عليه وسلّم كانت في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة ، وبينهما سنتان ونصف ، فكأنه قال : وإنكم لمن ريحان اللّه : أي من رزقه ، وأنا مفارقكم عن قريب ، إلا أنه صانع عن قوله وأنا مفارقكم عن قريب بقوله « إن آخر وطأة وطئها اللّه بوج » وكان ذلك تعريضا بما أراده وقصده من قرب وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم . ومما ورد من هذا الباب شعرا قول الشّميذر الحارثي « 1 » : بني عمّنا ، لا تذكروا الشّعر بعد ما * دفنتم بصحراء الغمير القوافيا « 2 » وليس قصده هاهنا الشعر ، بل قصده ما جرى لهم في هذا الموضع من الظهور عليهم والغلبة ، إلا أنه لم يذكر ذلك بل ذكر الشعر ، وجعله تعريضا بما قصده : أي لا تفخروا بعد تلك الواقعة التي جرت لكم ولنا بذلك المكان . ومن أحسن التعريضات ما كتبه عمرو بن مسعدة الكاتب إلى المأمون في أمر بعض أصحابه ، وهو : أما بعد ؛ فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين ليتطوّل في إلحاقه بنظرائه من الخاصة ، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين ، وفي ابتدائه بذلك تعدّي طاعته ، فوقّع المأمون في ظهر كتابه : قد عرفت تصريحك وتعريضك لنفسك ، وقد أجبناك إليهما .
--> ( 1 ) وقع في ا ، ب ، ج « الشميرد الحارثي » وهو تحريف ، وتصويبه عن شرح الحماسة ( 1 - 118 ) . ( 2 ) البيت أول كلمة اختارها أبو تمام في مستهل كتاب الحماسة ( انظر شرح التبريزي : 1 - 118 ) .