ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

193

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وهي الناقة التي وضعت وقوي ولدها ، وهذا يجوز حمله على طريق الحقيقة ، كما جاز حمله على طريق المجاز : أي معهم الأموال من الإبل ، وهي كانت جلّ أموال العرب : أي أنهم قد أحضروا أموالهم ليقاتلوا دونها ؛ ولما جاز حمل العوذ المطافيل على النساء والصبيان وعلى الأموال كان من باب الكناية . ومن ذلك ما ورد في إقامة الحد على الزاني ، وهو أن يشهد عليه برؤية الميل في المكحلة ، وذلك كناية عن رؤية الفرج في الفرج . ومن لطيف الكناية أن امرأة جاءت إلى عائشة رضي اللّه عنها فقالت لها : أقيّد جملي ؟ فقالت عائشة رضي اللّه عنها : لا ، أرادت المرأة أنها تصنع لزوجها شيئا يمنعه عن غيرها : أي تربطه أن يأتي غيرها ، فظاهر هذا اللفظ هو تقييد الجمل ، وباطنه ما أرادته المرأة وفهمته عائشة منها . وكذلك يروى عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وذاك أنه جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، هلكت ، قال : « وما أهلكك » قال : حولت رحلي البارحة ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أقبل وأدبر واتّق الدّبر والحيضة » . ويروى أن عمرو بن العاص زوج ولده عبد اللّه رضي اللّه عنه ، فمكثت المرأة عنده ثلاث ليال لم يدن منها ، وإنما كان ملتفتا إلى صلاته ، فدخل عليها عمرو بعد ثلاث ، فقال : كيف ترين بعلك ؟ فقالت : نعم البعل إلا أنه لم يفتّش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا ، فقولها « لم يفتش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا » من الكناية الغراء الظاهرة . ومن ألطف ما بلغني في هذا قول عبد اللّه بن سلام ، فإنه رأى على رجل ثوبا معصفرا ، فقال : لو أن ثوبك في تنّور أهلك أو تحت قدرهم كان خيرا ، فذهب الرجل فأحرقه ، نظرا إلى حقيقة قول عبد اللّه وظاهر مفهومه ، وإنما أراد المجاز منه ، وهو أنك لو صرفت ثمنه إلى دقيق تخبزه أو حطب تطبخ به كان خيرا ، والمعنى متجاذب بين هذين الوجهين ، فالرجل فهم منه الظاهر الحقيقي فمضى فأحرق ثوبه ، ومراد عبد اللّه غيره .