ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
185
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وكذلك الكناية ، فإنها لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المكنى عنه ، ونسبتها إلى الاستعارة نسبة خاص إلى عام ؛ فيقال : كل كناية استعارة ، وليس كل استعارة كناية ، ويفرق بينهما من وجه آخر ، وهو أن الاستعارة لفظها صريح والصريح هو : ما دل عليه ظاهر لفظه ، والكناية : ضد الصريح ؛ لأنها عدول عن ظاهر اللفظ ، وهذه ثلاثة فروق : أحدهما : الخصوص والعموم ، والآخر الصريح ، والآخر الحمل على جانب الحقيقة والمجاز . وقد تقدم القول في باب الاستعارة أنها جزء من المجاز ، وعلى ذلك فتكون نسبته الكناية إلى المجاز نسبة جزء الجزء وخاص الخاص . وكان ينبغي أن نذكر الكناية عند ذكر الاستعارة في النوع الأول من هذه الأنواع المذكورة في المقالة الثانية ، وإنما أفردتها بالذكر هاهنا من أجل التعريض ؛ لأن من العادة أن يذكرا جميعا في مكان واحد . وقد يأتي في الكلام ما يجوز أن يكون كناية ويجوز أن يكون استعارة ، وذلك يختلف باختلاف النظر إليه بمفرده والنظر إلى ما بعده ، كقول نصر بن سيار في أبياته المشهورة التي يحرض بها بني أمية عند خروج أبي مسلم : أرى خلل الرّماد وميض جمر * ويوشك أن يكون له ضرام فإنّ النّار بالزّندين تورى * وإنّ الحرب أوّلها كلام أقول من التّعجّب : ليت شعري * أأيقاظ أميّة أم نيام فإن هبّوا فذاك بقاء ملك * وإن رقدوا فإنّي لا ألام فالبيت الأول لو ورد بمفرده كان كناية ؛ لأنه يجوز حمله على جانب الحقيقة وحمله على جانب المجاز : أما الحقيقة فإنه أخبر أنه رأى وميض جمر في خلل الرماد ، وأنه سيضطرم ، وأما المجاز فإنه أراد أن هناك ابتداء شرّ كامن ومثله بوميض جمر من خلل الرماد ، وإذا نظرنا إلى الأبيات جملتها اختصّ البيت الأول منها بالاستعارة دون الكناية .