ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
186
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وكثيرا ما يرد مثل ذلك ويشكل ؛ لتجاذبه بين الكناية والاستعارة ، على أنه لا يشكل إلا على غير العارف . وأما التعريض : فهو اللفظ الدال على الشيء من طريق المفهوم ، لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي ، فإنك إذا قلت لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب : واللّه إني لمحتاج وليس في يدي شيء وأنا عريان والبرد قد آذاني ؛ فإن هذا وأشباهه تعريض بالطلب ، وليس هذا اللفظ موضوعا في مقابلة الطلب ، لا حقيقة ولا مجازا ، إنما دلّ عليه من طريق المفهوم ، بخلاف دلالة اللمس على الجماع ، وعليه ورد التعريض في خطبة النكاح ، كقولك للمرأة : إنّك لخليّة وإني لعزب ؛ فإن هذا وأمثاله لا يدلّ على طلب النكاح حقيقة ولا مجازا ، والتعريض أخفي من الكناية ؛ لأن دلالة الكناية لفظية وضعية من جهة المجاز ، ودلالة التعريض من جهة المفهوم لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي ، وإنما سمي التعريض تعريضا لأن المعنى فيه يفهم من عرضه : أي من جانبه ، وعرض كل شيء : جانبه . واعلم أن الكناية تشمل اللفظ المفرد والمركب معا ؛ فتأتي على هذا تارة ، وعلى هذا أخرى ، وأما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب ، ولا يأتي في اللفظ المفرد البتة ، والدليل على ذلك أنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز ، وإنما يفهم من جهة التّلويح والإشارة ، وذلك لا يستقل به اللفظ المفرد ، ولكنه يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب ، وعلى هذا فإن بيت امرئ القيس « 1 » الذي ذكره ابن سنان مثالا للكناية هو مثال للتعريض ؛ فإن غرض امرئ القيس من ذلك أن يذكر الجماع ، غير أنه لم يذكره ، بل ذكر كلاما آخر يفهم الجماع من عرضه ؛ لأن المصير إلى الحسنى ورقة الكلام لا يفهم منهما ما أراده امرؤ القيس من المعنى لا حقيقة ولا مجازا ، وهذا لا خفاء به فاعرفه .
--> ( 1 ) هو قوله : فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا * ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال وقد سبق في أول الكلام على هذا النوع .