ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
184
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
فإن قيل : فما الدليل على اشتقاق الكناية من كنيت الشيء ، إذا سترته ، ومن الكنية ؟ قلت في الجواب : أما اشتقاقها من كنيت الشيء إذا سترته فإن المستور فيها هو المجاز ؛ لأن الحقيقة تفهم أولا ، ويتسارع الفهم إليها قبل المجاز ؛ لأن دلالة اللفظ عليها دلالة وضعية ، وأما المجاز فإنه يفهم منه بعد فهم الحقيقة ، وإنما يفهم بالنظر والفكرة ، ولهذا يحتاج إلى دليل ، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ ؛ فالحقيقة أظهر ، والمجاز أخفي ، وهو مستور بالحقيقة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : أو لامستم النساء * فإن الفهم يتسارع فيه إلى الحقيقة التي هي مصافحة الجسد الجسد ، واما المجاز الذي هو الجماع فإنه يفهم بالنظر والفكر ، ويحتاج الذاهب إليه إلى دليل ؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ . وأما اشتقاقها من الكنية فلأن محمدا في هذه الصورة المذكورة هو حقيقة هذا الرجل : أي الاسم الموضوع بإزائه أولا ، وأما أبو عبد اللّه فإنه طار عليه بعد محمد ؛ لأنه لم يكن له إلا بعد أن صار له ولد اسمه عبد اللّه ، وكذلك الكناية ؛ فإن الحقيقة لها هو الاسم الموضوع بإزائها أولا في أصل الوضع ، وأما المجاز فإنه طار عليها بعد ذلك ؛ لأنه فرع ، والفرع إنما يكون بعد الأصل ، وإنما يعمد إلى ذلك الفرع للمناسبة الجامعة بينه وبين الأصل على ما تقدم الكلام فيه ، وهذا القدر كاف في الدلالة على اشتقاق الكناية من ذينك المعنيين المشار إليهما . فإن قيل : إنك قد ذكرت أقسام المجاز في باب الاستعارة التي قدمت ذكرها في كتابك هذا ، وحصرتها في أقسام ثلاثة ، وهي : التوسع في الكلام ، والاستعارة ، والتشبيه ، ونراك قد ذكرت الكناية في المجاز أيضا ، فهل هي قسم رابع لتلك الأقسام الثلاثة أم هي من جملتها ؟ فإن كانت قسما رابعا ، فذلك نقض للحصر الذي حصرته ، وإن كانت من جملتها فقد أعدت ذكرها هاهنا مرة ثانية ، وهذا المكرر لا حاجة إليه . فالجواب عن ذلك أني أقول : أما الحصر الذي حصرته في باب الاستعارة فهو ذاك ، ولا زيادة عليه ، وأما الكناية فإنها جزء من الاستعارة ، ولا تأتي إلا على حكم الاستعارة خاصة ، لأن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له ،