ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

183

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

تتكلم بشيء وأنت تريد غيره ؛ فيكون الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به وعلى غيره ، وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به ، وهذا محال ؛ فتحقق حينئذ أن الكناية أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز ، وهذا الكلام في حقيقة الدليل على تحقيق أمر الكناية لم يكن لأحد فيه قول سابق . واعلم أن الكناية مشتقة من الستر ، يقال : كنيت الشيء ؛ إذا سترته ، وأجري هذا الحكم في الألفاظ التي يستر فيها المجاز بالحقيقة ؛ فتكون دالة على الساتر وعلى المستور معا ، ألا ترى إلى قوله تعالى : أو لامستم النساء * فإنه إن حمل على الجماع كان كناية ؛ لأنه ستر الجماع بلفظ اللمس الذي حقيقته مصافحة الجسد الجسد ، وإن حمل على الملامسة التي هي مصافحة الجسد الجسد كان حقيقة ، ولم يكن كناية ، وكلاهما يتمّ به المعنى ، وقد تأولت الكناية بغير هذا ، وهي أنها مأخوذة من الكنية التي يقال فيها : أبو فلان ، فإنا إذا نادينا رجلا اسمه عبد اللّه وله ولد اسمه محمد فقلنا : يا أبا محمد ، كان ذلك مثل قولنا : يا عبد اللّه ؛ فإن شئنا ناديناه بهذا ، وإن شئنا ناديناه بهذا ، وكلاهما واقع عليه ، وكذلك يجري الحكم في الكناية ، فإنا إذا شئنا حملناها على جانب المجاز ، وإذا شئنا حملناها على الحقيقة ، إلا أنه لا بدّ من الوصف لجامع بينهما ، لئلا يلحق بالكناية ما ليس منها ، ألا ترى إلى قوله تعالى : إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فكنى بذلك عن النساء ، والوصف الجامع بينهما هو التأنيث ، ولولا ذلك لقيل في مثل هذا الموضع : إن أخي له تسع وتسعون كبشا ولي كبش واحد ، وقيل : هذه كناية عن النساء ، ومن أجل ذلك لم يلتفت إلى تأويل من تأول قوله تعالى : وثيابك فطهر أنه أراد بالثياب القلب ، على حكم الكناية ؛ لأنه ليس بين الثياب والقلب وصف « 1 » جامع ، ولو كان بينهما وصف جامع لكان التأويل صحيحا .

--> ( 1 ) قد استعمل العرب الثياب وهم يريدون القلب ، فمن ذلك قول عنترة : فشكّكت بالرمح الأصم ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم