ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
162
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وإنّ الّذي بيني وبين بني أبي * بين بني عمّي لمختلف جدّا إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم * وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن ضيّعوا غيبي حفظت غيوبهم * وإن هم هووا غيّ هويت لهم رشدا فهذا من الخاص والعام ؛ فإن كل لحم يؤكل للإنسان فهو تضييع لغيبه ، وليس كل تضييع لغيبه أكلا للحمه ، ألا ترى أن أكل اللحم هو كناية عن الاغتياب ، وأما تضييع الغيب فمنه الاغتياب ومنه التخلي عن النصرة والإعانة ومنه إهمال السعي في كل ما يعود بالنفع كائنا ما كان ، وعلى هذا فإن هذين البيتين من الخاص والعام المشار إليه في الآية المقدم ذكرها ، وهو موضع يرد في الكلام البليغ ويظن أنه لا فائدة فيه . الفرع الثاني : إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنى واحد لا غير ، وقد سبق مثال ذلك في أول هذا الباب ، كقولك : أطعني ولا تعصني ؛ فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية ، والفائدة في ذلك تثبيت الطاعة في نفس المخاطب . والكلام في هذا الموضع كالكلام في الموضع الذي قبله من تكرير اللفظ والمعنى إذا كان الغرض به شيئا واحدا ، ولا نجد شيئا من ذلك يأتي في الكلام إلا لتأكيد الغرض المقصود به ؛ كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم فإنه إنما كرّر العفو والصفح والمغفرة ، والجميع بمعنى واحد ؛ للزيادة في تحسين عفو الوالد عن ولده والزوج عن زوجته ، وهذا وأمثاله ينظر في الغرض المقصود به ، وهو موضع يكون التكرير فيه أوجز من لمحة الإيجاز وأولى بالاستعمال . وقد ورد في القرآن الكريم كثيرا ، كقوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام : قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون فإن البثّ والحزن بمعنى واحد ، وإنما هاهنا لشدة الخطب النازل به ، وتكاثر سهامه النافذة في قلبه ، وهذا المعنى كالذي قبله . وكذلك ورد قوله تعالى : تلك عشرة كاملة بعد ثلاثة وسبعة تنوب مناب قوله ثلاثة وسبعة مرتين لأن عشرة هي ثلاثة وسبعة ، ثم قال ( كاملة ) وذلك توكيد