ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

163

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

ثالث ، والمراد به إيجاب صوم الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق على الفور ، لا عند الوصول إلى البلد كما ذهب إليه بعض الفقهاء ، وبيانه أني أقول : إذا صدر الأمر من الأمر على المأمور بلفظ التكرير مجردا من قرينة تخرجه عن وصفه ولم يكن موقّتا بوقت معين كان ذلك حثّا على المبادرة إلى امتثال الأمر على الفور ؛ فإنك إذا قلت لمن تأمره بالقيام : قم ، قم ، قم ، فإنما تريد بهذا اللفظ المكرر أن يبادر إلى القيام في تلك الحال الحاضرة . فإن قلت : الغرض بتكرير الأمر أن يتكرر في نفس المأمور أنه مراد منه ، وليس الغرض الحثّ على المبادرة إلى امتثال الأمر . قلت في الجواب : إن المرة الواحدة كافية في معرفة المأمور أن الذي أمر به مراد منه ، والزيادة على المرة الواحدة لا تخلو : إما أن تكون دالة على ما دلت عليه المرة الواحدة أو دالة على زيادة معنى لم تكن في المرة الواحدة ؛ فإن كانت دالة على ما دلت عليه المرة الواحدة كان ذلك تطويلا في الكلام لا حاجة إليه ، وقد ورد مثله في القرآن الكريم ، كهذه الآية المشار إليها وغيرها من الآيات ، والتطويل في الكلام عيب فاحش عند البلغاء والفصحاء ، والقرآن معجز ببلاغته وفصاحته ، فكيف يكون فيه تطويل لا حاجة إليه ، فينبغي أن تكون تلك الزيادة دالة على معنى زائد على ما دلّت عليه المرة الواحدة ، وإذا ثبت هذا فتلك الزيادة هي الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر ؛ فإن سلمت لي ذلك وإلا فبيّن معنى تلك الزيادة ببيان غير ما ذكرته أنا ، ولا أراك أن تستطيع ذلك . فإن قلت : إن الواو في قوله تعالى : وسبعة إذا رجعتم لولا أن تؤكد بقوله ( تلك عشرة ) لظن أنها وردت بمعنى أو : أي فثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم ، فلما قيل ( تلك عشرة ) زال هذا الظن ، وتحققت الواو أنها عاطفة ، وليست بمعنى أو . قلت في الجواب : هذا باطل من أربعة أوجه : الوجه الأول : أن الواو العاطفة لا تجعل بمعنى أو أين وردت من الكلام ، وإنما تجعل بمعنى أو حال ضرورة