ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

145

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

الأقسام ، ولولا خوف الإطالة التي لا حاجة إليها لأوردت قصائد من الشعر أيضا ، حتى لا يخلو الموضع من ضرب أمثلة من المنظوم والمنثور ، لكن في الذي ذكرته كفاية لمن يحمله على أشباهه ونظائره . فإن قيل : إن الإطناب في الكلام وضعتموه اسما على غير مسمى ؛ فإن الكلام لا يخلو من حالين : إما ألّا يزيد لفظه على معناه ، وهو الإيجاز ، أو يزيد لفظه على معناه ، وهو التطويل ، وليس هاهنا قسم ثالث ، فما الإطناب إذا ؟ قلت في الجواب : اعلم أن الإيجاز هو ضد التطويل ، كما أن السواد ضد البياض ، غير أن بين الضدين مراتب ومنازل ليست أضدادا ؛ فالإطناب لا إيجاز هو ولا تطويل ، كما أن الحمرة أو الخضرة ليست بياضا ولا سوادا ، وقد قدمنا القول أن الإطناب يأتي في الكلام مؤكدا كالذي يأتي بزيادة التصوير للمعنى المقصود إما حقيقة وإما مجازا ، والتطويل ليس كذلك ؛ فإنه التعبير عن المعنى بلفظ زائد عليه يفهم ذلك المعنى بدونه ، فإذا حذفت تلك الزيادة بقي المعنى المعبر عنه على حاله لم يتغير منه شيء ، وهذا بخلاف الإطناب ، فإنه إذا حذفت منه تلك الزيادة المؤكدة للمعنى تغير ذلك المعنى وزال ذلك التأكيد عنه ، وذهبت فائدة التصوير والتخييل التي تفيد السامع ما لم يكن إلا بها ، ألا ترى إلى قوله تعالى : فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وهذا لا يسمى إيجازا ؛ لأنه أتى فيه بزيادة لفظ ، وهو ذكر الصدور ، وقد علم أن القلوب لا تكون إلا في الصدور ، ولا يسمى تطويلا ؛ لأن التطويل لا فائدة فيه أصلا ، وهذا فيه فائدة ، وهي ما أشرنا إليه ، وكذلك باقي أقسام الإطناب التي نبهناه عليها ، وهذا لا نزاع فيه .