ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
144
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ومما عرف الناس منكره إثارة التحريش بين الحيوانات ، وهي ذوات أكباد رطبة ، وأخلاق صعبة ، وما منها إلا ما يحل أكله ، ولا يحل قتله ، كالكبش والحجلة والديك والسماني وما أشبهها ، وقد أكثر الناس من اقتنائها ، والمواظبة على إضرام شحنائها ، ولربما نشأ من ذلك فتنة تؤل إلى ضراب ، وشق ثياب ، وإحداث شجاج ، وإثارة عجاج ، وتحزب إلى أحزاب كثيرة وأفواج . ويتصل بهذه المنكرات المذكورة أشياء أخرى تجري مجراها في التقديم ، وتتنزل منزلتها في التحريم ، فاحكم فيها بحكمك ، وامض في شبهاتها بدليل علمك ، ونب عنا في التذكير والتحذير ، والتعريف والتنكير ، حتى يتقوّم الأود ، ويتضح الرشد ، ويمكث في الأرض ما ينفع ويذهب الزّبد ، وليكن عملك للّه الذي يسمع ويرى ، وله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى . واعلم أن الأمر بالمعروف عبادة يتعدى نفع صاحبها إلى غيره ، وتستضيف خير المأمور بها إلى خيره ، وهي الجهاد الأكبر الذي تقاتل فيه عواصي النفوس ، وتضرب به رؤوس الشهوات التي هي أمنع من معاقد الرؤوس ، فقتيله يحيا بقتله ، وجريحه يوسي بجراحة نصله ، وبمثل هذا الجهاد تستنزل أمداد النعم مضعفة ، كما تستنزل أمداد النصر مردفة ، فأقدم عليه ذا عزم باتر ، وطرف ساهر ، وقدم ثابت صابر ، حتى تظل لمعاقل الشيطان فاتحا ، وتكون فيمن دعا إلى اللّه وعمل صالحا . واعلم أنك في صبيحة كل يوم يبتدرك الملك والشيطان ، وكل منهما يقول : يا أيها الإنسان ، فإن أجبت نداء الملك كتبك في زمرة من مهد لجنبه ، وخاف مقام ربه ، وعرج بك إلى اللّه طيبا نشره ، مضاعفا أجره ، وإن أجبت نداء الشيطان كتبك في زمرة من أغواه ، وقرنك بمن أغفل اللّه قلبه واتبع هواه ، ثم نزل به إلى الأرض خبيثا مخبثا ، وأقبل به على إخوانه من الشياطين محدثا . وهذا آخر ما عهدناه إليك من العهد الذي طوقت اليوم بكتابه ، وستناقش غدا على حسابه ، وكما جعلناه لك في الدنيا ذكرا ، فاجعله لك في الآخرة ذخرا ، إن شاء اللّه تعالى ؛ والسلام . وهذا الذي ذكرته في هذين من الكتاب والتقليد يتضمن إطنابا مستوفى