ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
136
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
الشفار ، ولقد فرّ من المكروه إلى مثله ، لكنه انتقل من ميتة عزّه إلى ميتة ذلّه ، وكذلك آثار الخادم في أعداء اللّه فهم هلكى بسيفه في مواقف الطراد ، فإن فرّوا فبخوفه على جنوب الوساد ، وبعد هذه فهل يمترون في أن دماءهم قد استجابت لمراده ، وأن سواء لديه من أمكن منها في دنوه ومن امتنع منها في بعاده ، وكل ذلك مستمد من الاستنصار بعناية الديوان العزيز التي من شأنها أن تجعل الرؤيا حقا ، وأحاديث الآمال صدقا ، وتقرّب بعيدات الأمور حتى تجعل الشرق غربا والغرب شرقا ، فهذا الفتح منسوب إليها ، وإن كان الخادم هو الساعي في تسهيله ، والمجاهد بنفسه وماله في سبيله ، فعلى عطف دولتها ترقم أعلامه ، وفي أيامها تؤرخ أيامه ، ولو أبيح للقلم الخيلاء في مقام المقال ، كما أبيح لصاحبه في مقام القتال ، لاختالت مشيته في هذا الكتاب ، ولقال وأسهب فليس الإكثار هاهنا من الإسهاب ، لكنه منعه من ذلك أن يكون ممن فخر بعمله فأبطله ، وأرسل خطابه إلى الديوان العزيز فلم يقبضه بالأدب حين أرسله ، وقد ارتاد من يبلّغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها ، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها ، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها ، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بيانا مؤهل لإيداع حسانها ، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي صحبها في تجريح الرجال ، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال ، والأيام والليالي رواة فما الظن برواية الأيام والليال ، وستتلو هذه الأخبار الصادقة بمشيئة اللّه أخبار مثلها صادقة ، وما دامت السيوف ناطقة في يد الخادم فالألسنة عنها ناطقة ، وللآراء العالية مزيد العلو ، إن شاء اللّه تعالى . وأما التقليد فإنه تقليد أنشأته لمنصب الحسبة ، وهو : أما بعد ؛ فقد جعل اللّه جزاء التمكين في أرضه ، أن يقام بحدود فرضه ، ونحن نسأله التوفيق لهذا الأمر الذي ثقل حمله ، وعدم أهله ، فقد جيء بنا في زمن أصبح الناس فيه سدى ، وعاد الإسلام فيه غريبا كما بدا ، وهو الزمن الذي كثرت فيه أشراط اليوم الأخير ، وغربلت فيه الأمة حتى لم يبق إلا حثالة التمر والشعير ، ومن أعمّ ما نقرر بناءه ونقدم عناءه ، ونصلح به الزمن وأبناءه ، أن نمضي أحكام الشريعة المطهرة على ما قررته ، في تعريف ما عرفته وتنكير ما نكرته ، ومدار ذلك على النظر في أمر الحسبة التي تتنزل