ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
135
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مولاه فأنا مولاه ، ولم يكن لسان الخطيب بأفصح بيانا من لسانه ، غير أن هذا يزهى ببلاغ موعظته وهذا يزهى بعزة سلطانه ، ولما ذكرت سمات الخلافة المعظمة أتبعها الناس بالدعاء الذي ملأ المسجد بعجيجه ، وسبق الكرام الكاتبون بزميله إلى السماء ووشيجه ، وكان اليوم فصلا ، والموقف حفلا ، وذلك الدعاء فرضا لا نفلا ، ولا ينتهي النصف إلى ما شوهد بالبلد من الآثار العجيبة التي تستلبث العجلان وتستحلب الأذهان وتستنطق الألسنة بالتسبيح للّه الذي فطر الإنسان ، ومن جملة ذلك ما تبوهي في حسنه من البيع والصّوامع ، ذوات الأبنية الروائع ، التي روضت بالزخارف ترويض الأزهار ، ورفعت معاقدها حتى كادت النجوم توحي إليها بالأسرار ، وما منها إلا ما يقال : إنه إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد ، ولقد ألان اللّه لهم الحجارة حتى تخيروا في توسيعها بضروب الاختيار ، وجعلوها أعاجيب للأسماع والأبصار ، وقيل فيها : هذه روضات جنان لا أفنية ديار ، هذا إلى غيره مما وجد من معبودات القوم الموصوفة بأنها آلة الصّلب ، اللاتي من ذوات النصب ، وأكثر ذلك وجد في المسجد موضوعا ، وعلى قبته مرفوعا ، فأنزلت على قرونها ، واستنّ بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في طعن عيونها ، واستوطن المؤمن مكان الكفور ، وبدّلت الظلمات بالنور ، وقالت الصخرة : الآن جمع بيني وبين الحجر الأسود لخاطب الإسلام ، والجمع بين الأختين في هذا الأمر من الحلال لا من الحرام ، وقال الأقصى : سبحان الذي أسرى إليّ بجنده ، كما أسرى بعبده ، وأعاد لي عهود الفتح الأول بهذا الفتح الذي أتى من بعده ، وعود الذاهب أرجى لدوام أحقابه ، وخلود الإنسان لا يكون إلا في مآبه ، وهذا هو الخطب الذي جدد للإسلام عهود ابن خطّابه ، رضي اللّه عنه ! إلا أن مستنقذ الطريدة أولى بها من صاحبها ، ولئن غصبتها يد غالبة فقد جاء اللّه باليد التي غصبتها من غاصبها ، هذا ، ولم يستنقذها الخادم إلا بإنضاء سلاح أنفته الوقعة الأولى التي استأصلت حماة البلاد ، واستباحت أغيالها بقتل الآساد ، فكانت لهذا الفتح عنوانا ، ولتقرير أصوله بنيانا ، ولم ينج بها من طواغيت الكفر إلا طاغية ترابلس ، فإن السيوف أسأرته وبفؤاده قلق من أوجالها ، وفي عينه دهش من أهوالها ، وقد قرن اللّه هذا الفتح ببشرى موته ، وكفى المسلمين مئونة الاهتمام لفوته ؛ ففر من الوقعة ولم ينج بذلك الفرار ، واعتصم بذات جداره ، فقتله الخوف من وراء الجدار ، ولا فرق بين قتيل خوف السفار ، وبين قتيل