ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
134
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
فأطالت من شهرته ، وضمنته نصرة الدين الحنيف الذي للّه عناية بنصرته ، وجعلته تاريخا يؤرخ بفتحه كما أرخ للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بدار هجرته ، وإذا أنصف واصفه قال : إنه لليوم البدري في اقتراب النسب ، وإنه العجيبة التي لم تجفل عنها الأيام في صفر وإنما أجفلت عنها في رجب ، فما أكثر الفائز فيه والمغبون ، والمسرور والمحزون فمن جد راكب ومن جد راجل ، ومن عز قادم وذل راحل ، ولطالما جد الخادم في السعي له وأبصار العدا تزلقه ، وألسنتهم تسلقه ، وما منهم إلا من أكثر الشناعة بأن ذلك السعي للاستكثار من البلاد ، واللّه يعلم أنه لم يكن إلا للاستكثار من موارد الجهاد ، لا جرم أن صدق النية كان له عقبى الدار ، وتلك الأقوال الكاذبة كان لها عقبى البوار ، ويوم هذا الفتح يفتقر قبله إلى أيام تجلو بياضه عن سوادها ، ويلقح لها بطون المساعي حتى يكون هو نتيجة ميلادها ، ولما ظفر به الخادم لم يكن لأهل النّجامة فيه قول يرد كذابه ، ولا يقبل صوابه والشهب الطالعة على ذوات السروج ، أصدق نبأ من الشهب الطالعة من ذوات البروج ، على أنهما وإن اتفقا رجما فإنهما يختلفان علما ، فعلم هذه يسأل عنه ثغر الأعناق ، وعلم هذه يسأل عنه بطون الأوراق ، ولما دخل البلد وجد به أمما لولا أن ضربت عليهم الذلة لدافعوا المنايا مكاثرة ، وغالبوا السيوف مصابرة ، وهم طوائف مختلفو الألسنة والألوان ، وإن قيل إنهم أناسي فإنّ صورهم صور الجان ، ومنهم طائفة استشعرت حبس نفوسها ، وفحصت الشعر عن أوساط رءوسها ، وتوحشت بالرهبانية حتى ارتاعت العيون من أشكالها ولبوسها ، ولما رأوا طلعة الإسلام داخلة عليهم أعلنوا بالجؤار واصطرخوا جميعا كما يصطرخون غدا في النار ، وزادهم غيظا إلى غيظهم أنهم رأوا الصلاة قائمة ، وقد صار الناقوس أذانا ، وكلمة الكفر إيمانا ، وأقيمت الجمعة ، وهي أول جمعة حظي الأقصى بمشهدها ، وحضرتها الأمة الإسلامية بأحمرها وأسودها ، فمن باك بدمعة سروره الباردة ، ومن مجيل نظره في نعمة اللّه الواردة ، ومن شاكر للزمن الذي أبقاه إلى يومه هذا الذي كلّ الأيام له حاسدة من كان ولده تقدم قبله أو بعده فكأنه لم يولد ، وكانت هذه الجمعة في رابع شعبان ، وهو الشهر الذي جعله اللّه طليعة لشهر الصيام ، وليلة نصفه هي الليلة المعروفة بإحياء قيامها إلى حين وفاة شخص الظلام ، والتي يغفر فيها لأكثر من شعر غنم كلب من ذوي الذنوب والآثام ، وجيء باللّواء الأسود فركز من المنبر في أعلاه ، ونطق لسان حاله فقال : من كان