ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

129

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

خلق الذين من دونه ، وفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة وأصنافها ، وكلها معدود من أوساطها لا من أطرافها ، ولقد دخلتها فاستهوتني حسدا ، ولم أصاحبها على قوله لن تبيد هذه أبدا . فهذا الوصف على هذه الصورة يسمى إطنابا ؛ لأنه لم يعر عن فائدة ، وذاك الأول هو الإيجاز ؛ لأنه اشتمل باختصاره على جميع أصناف الفاكهة . وأما التطويل فهو أن تعد الأصناف المذكورة تعدادا من غير وصف لطيف ، ولا نعت رائق ، فيقال : مشمش وتفاح وعنب ورمان ونخل ، وكذا وكذا . وانظر أيها المتأمل إلى ما أشرت إليه من هذه الأقسام الثلاثة في الإيجاز والإطناب والتطويل ، وقس عليها ما يأتي منها . وسأزيد ذلك بيانا بمثال آخر ؛ فأقول : قد ورد في باب الإيجاز كتاب كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون رحمه اللّه تعالى ، يخبره بهزيمة عيسى بن ماهان وقتله إياه ، وهو : كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى بن ماهان بين يديّ ، وخاتمه في يدي ، وعسكره مصرّف تحت أمري ، والسلام . وهذا كتاب جامع للمعنى ، شديد الاختصار . وإذا كتب ما هو في معناه على وجه الإطناب قيل فيه ما أذكره ، وهو ما أنشأته مثالا في هذا الموضع ؛ ليعلم به الفرق بين الإيجاز والإطناب ، وهو : أصدر كتابه هذا وقد نصر بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة ، وانقلب باليد الملأى والعين القريرة ، وكان انتصاره بجدّ أمير المؤمنين لا بحدّ نصله ، والجد أغنى من الجيش وإن كثرت أمداد خيله ورجله ، وجيء برأس عيسى بن ماهان وهو على جسد غير جسده ، وليس له قدم فيقال إنه يسعى بقدمه ولا يد فيقال إنه يبطش بيده ، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه ، وحسدت الضباع الطير على مكانها منه وهو غير محسود على مكانه ، وأحضر خاتمه وهو الخاتم الذي كان الأمر يجري على نقش أسطره ، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه فحال ورود المنية دون مصدره ، وكذلك البغي مرتعه وبيل