ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

128

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

قصيدة ، وهذا أصعب الضروب الأربعة طريقا ، وأضيقها بابا ؛ لأنه يتفرع إلى أساليب كثيرة من المعاني ، وأرباب النظم والنثر يتفاوتون فيه ، وليس الخاطر الذي يقذف بالدرر في مثله إلا معدوم الوجود ، ومثاله ومثال الإيجاز مثال مجمل ومفصل ؛ وقد تقدم القول بأن الإيجاز والإطناب والتطويل بمنزلة مقصد يسلك إليه ثلاثة طرق ، وقد أوردت هاهنا أمثلة لهذه الأساليب الثلاثة ، وجعلتها على هيئة المقصد الذي تسلك إليه الطرق الثلاثة . فمن ذلك ما ذكرته في وصف بستان ذات فواكه متعددة ؛ فإذا أريد وصفه على حكم الإيجاز قيل : فيه من كل فاكهة زوجان ؛ وهذا كلام اللّه تعالى ؛ وقد جمع جميع أنواع الفاكهة بأحسن لفظ وأخصره . وإذا أريد وصف ذلك البستان على حكم الإطناب قيل فيه ما أذكره ، وهو فصل من كتاب أنشأته ، وهو : جنة علت أرضها أن تمسك ماء ، وغنيت بينبوعها أن تستجدي سماء ، وهي ذات ثمار مختلفة الغرابة ، وتربة منجبة وما كل تربة توصف بالنّجابة ، ففيها المشمش الذي يسبق غيره بقدومه ، ويقذف أيدي الجانين بنجومه ، فهو يسمو بطيب الفرع والنّجار ، ولو نظم في جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار ، وله زمن الربيع الذي هو أعدل الأزمان ، وقد شبه بسن الصبا في الأسنان ، وفيها التفاح الذي رقّ جلده ، وعظم قدّه ، وتورّد خدّه ، وطابت أنفاسه فلا بان الوادي ولا رنده ، وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر ، ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر ، وفيها العنب الذي هو أكرم الثمار طينة ، وأكثرها ألوان زينة ، وأول غرس اغترسه نوح عليه السلام عند خروجه من السفينة فقطفه يميل بكف قاطفه ، ويغري بالوصف لسان واصفه ، وفيها الرّمّان الذي هو طعام وشراب ، وبه شبهت نهود الكعاب ، ومن فضله أنه لا نوى له فيرمى نواه ، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من فاكهة سواه ، وفيها التين الذي أقسم اللّه به تنويها بذكره ، واستتر آدم عليه السلام بورقه إذا كشفت المعصية من ستره ، وخصّ بطول الأعناق فما يرى بها من ميل فهو نشوة من سكره ، وقد وصف بأنه راق طعما ، ونعم جسما ، وقيل هذا كنيف مليء شهدا لا كنيف مليء علما ، وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله ، ويشغل بلذة منظره عن لذة أكله ، وهو الذي فضل ذوات الأفنان بعرجونه ، ولا تماثل بينه وبين الحلواء هذا خلق اللّه فأروني ما ذا