ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

125

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

قطعت إليّ الزّابيين هباته * والتاث مأمول السّحاب السبل « 1 » من منّة مشهورة وصنيعة * بكر وإحسان أغرّ محجّل فقوله : « منة مشهورة وصنيعة بكر وإحسان أغر محجل » تداخلت معانيه ؛ إذ المنة والصنيعة والإحسان متقارب بعضه من بعض ، وليس ذلك بتكرير ؛ لأنه لو اقتصر على قوله منة وصنيعة وإحسان لجاز أن يكون تكريرا ، ولكنه وصف كل واحدة من هذه الثلاث بصفة أخرجتها عن حكم التكرير ، فقال : « منة مشهورة » فوصفها بالاشتهار لعظم شأنها ، و « صنيعة بكر » فوصفها بالبكارة : أي أنها لم يؤت بمثلها من قبل ، و « إحسان أغر محجل » فوصفه بالغرة والتحجيل : أي هو ذو محاسن متعددة ، فلما وصف هذه المعاني المتداخلة التي تدلّ على شيء واحد بأوصاف متباينة صار ذلك إطنابا ، ولم يكن تكريرا . ولم أجد في ضروب الإطناب أحسن من هذا الموضع ، ولا ألطف ، وقد استعمله أبو تمام في شعره كثيرا ، بخلاف غيره من الشعراء ، كقوله « 2 » : زكيّ سجاياه تضيف ضيوفه * ويرجى مرجّيه ويسأل سائله « 3 » فإن غرضه من هذا القول إنما هو ذكر الممدوح بالكرم وكثرة العطاء ، إلا أنه وصفه بصفات متعددة ؛ فجعل ضيوفه تضيف ، وراجيه يرجى ، وسائله يسأل ، وليس هذا

--> ( 1 ) وقع هذا البيت في ب ، ج هكذا : قطعت إليّ الرائبين هباته * التاث مأمور السحاب المسبل وفي ا « الزابيين » وبقية البيت كما في ب ، ج . والزابيان : نهران ، والهبات : العطايا ، واحدها هبة . والتاث : أبطأ . والمسبل : الممطر . ( 2 ) من قصيدة له يرثي فيها القاسم به طوق ، وأولها قوله : جوى ساور الأحشاء والقلب واغله * ودمع يضيم العين والجفن هامله انظر الديوان ( 377 بيروت ) . ( 3 ) في الديوان « ولكن سجاياه - الخ » وقد أكثر أبو تمام من ذكر هذا المعنى ، فمنه قوله في قصيدة يمدح فيها المعتصم : إذا آمل ساماه قرطس في المنى * مواهبه حتّى يؤمّل آمله