ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

124

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

تقدم الكلام عليه في باب السجع ، لكن التأكيد في هذه الآية جاء ضمنا لتوازن الفقر وتبعا ، وأما نفخة واحدة و دكة واحدة فإنما جيء بلفظ الواحدة فيهما وقد علم أن النفخة هي واحدة والدكة هي واحدة لمكان نظم الكلام ؛ لأن السورة التي هي الحاقة جارية على هذا المنهاج في توازنها السجعي ، ولو قيل نفخة من غير واحدة ودكة من غير واحدة ثم قيل بعدهما : فيومئذ وقعت الواقعة لكان الكلام منثورا « 1 » محتاجا إلى تمام ، لكن التأكيد جاء فيهما ضمنا وتبعا ، وإذا تبين ذلك واتضح فاعلم أن الفرق بين هذه الآيات وبين قوله تعالى : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ظاهر ، وذاك أن نفخة هي واحدة ومناة هي الثالثة . وأما ما جاء منه على سبيل المجاز فقوله تعالى : فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ففائدة ذكر الصدور هاهنا أنه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر ، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها ، واستعماله في القلب تشبيه ، ومثل ؛ فلما أريد إثبات ما هو خلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف ؛ ليتقرر أن مكان العمي إنما هو القلوب لا الأبصار . وهذا موضع من علم البيان كثيرة محاسنه ، وافرة لطائفه ، والمجاز فيه أحسن من الحقيقة ؛ لمكان زيادة التصوير في إثبات وصف الحقيقي للمجازي ، ونفيه عن الحقيقي . وأما القسم الثاني المختص بالجمل فإنه يشتمل على ضروب أربعة : الأول منها : أن يذكر الشيء فيؤتى فيه بمعاني متداخلة ، إلا أن كل معنى يختص بخصيصة ليست للآخر ، وذلك كقول أبي تمام « 2 » :

--> ( 1 ) كذا في ا ، ب ، ج ؛ ولعله « مبتورا » بباء موحدة فتاء مثناة . ( 2 ) من قصيدة له يمدح فيها الحسن بن وهب ، وأولها قوله : ليس الوقوف يكفّ شوقك فانزل * تبلل غليلا بالدّموع فيبلل