ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
120
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
والبلاغة ، ويكفي في بطلانه كتاب اللّه تعالى ؛ فإنه لم يجعل لخواصّ الناس فقط ، وإنما جعل لعوامهم وخواصّهم ، وأكثره لا بل جميعه مفهوم الألفاظ للعوام ، إلا كلمات معدودة ، وهي التي تسمى غريب القرآن ، وقد تقدم الكلام على ذلك في المقالة الأولى المختصة بالألفاظ ، وعلى هذا فينبغي أن تكون الكتب جميعها مما يقرأ على عوامّ الناس وخواصهم ذات ألفاظ سهلة مفهومة ، وكذلك الأشعار والخطب ، ومن ذهب إلى غير ذلك فإنه بنجوة عن هذا الفن ، وعلى هذا فإن الإطناب لا يختص به عوام الناس ، وإنما هو للخواصّ كما هو للعوام . وسأبين حقيقته في كتابي هذا ، وأحقق القول فيه بحيث تزول الشبهة التي خبط أرباب علم البيان من أجلها ، وقالوا أقوالا لا تعرب عن فائدة . والذي عندي فيه أنه إذا رجعنا إلى الأسماء واشتقاقها وجدنا هذا الاسم مناسبا لمسماه ، وهو في أصل اللغة مأخوذ من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه ، ويقال : أطنبت الريح ؛ إذا اشتدّت في هبوبها ، وأطنب في السير ؛ إذا اشتد فيه ، وعلى هذا فإن حملناه على مقتضى مسماه كان معناه المبالغة في إيراد المعاني ، وهذا لا يختص بنوع واحد من أنواع علم البيان ، وإنما يوجد فيها جميعها ؛ إذ ما من نوع منها إلا ويمكن المبالغة فيه ، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يفرد هذا النوع من بينها ، ولا يتحقق إفراده الا بذكر حدّه الدال على حقيقته . والذي يحدّ به أن يقال : هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة ؛ فهذا حدّه الذي يميزه عن التطويل ؛ إذ التطويل هو : زيادة اللفظ عن المعنى لغير فائدة ، وأما التكرير فإنه : دلالة على المعنى مردّدا ، كقولك لمن تستدعيه : أسرع أسرع ؛ فإن المعنى مردّد واللفظ واحد ، وسيرد بيان ذلك مفصّلا في بابه بعد باب الإطناب بعضها بعضا ؛ وإذا كان التكرير هو إيراد المعنى مرددا فمنه ما يأتي لفائدة ومنه ما يأتي لغير فائدة ؛ فأما الذي يأتي لفائدة « 1 » فإنه جزء من الإطناب وهو أخص منه ؛ فيقال حينئذ : إن كل تكرير يأتي لفائدة فهو إطناب وليس كل إطناب تكريرا يأتي لفائدة ،
--> ( 1 ) في ا ، ب ، ج « فأما الذي يأتي لغير فائدة » وهو خطأ أجمعت عليه هذه النسخ ، والصواب حذف كلمة « خير » وذلك يدرك بالتأمل البسيط .