ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
121
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وأما الذي يأتي من التكرير لغير فائدة فإنه جزء من التطويل ، وهو أخص منه ، فيقال حينئذ : إن كل تكرير يأتي لغير فائدة تطويل ، وليس كل تطويل تكريرا يأتي لغير فائدة . وكنت قدمت القول في باب الإيجاز بأن الإيجاز هو : دلالة اللفظ على المعنى من غير زيادة عليه . وإذا تقررت هذه الحدود الثلاثة المشار إليها فإن مثال الإيجاز والإطناب والتطويل مثال مقصد يسلك إليه في ثلاثة طرق ؛ فالإيجاز هو أقرب الطرق الثلاثة إليه ، والإطناب والتطويل هما الطريقان المتساويان في البعد إليه ، إلا أن طريق الإطناب تشتمل على منزّه من المنازه لا يوجد في طريق التطويل ، وسيأتي بيان ذلك بضرب الأمثلة التي تسهل من معرفته . والإطناب يوجد تارة في الجملة الواحدة من الكلام ، ويوجد تارة في الجمل المتعددة ، والذي يوجد في الجمل المتعددة أبلغ ؛ لاتساع المجال في إيراده . وعلى هذا فإنه بجملته ينقسم قسمين : القسم الأول : الذي يوجد في الجملة الواحدة من الكلام ؛ وهو يرد حقيقة ، ومجازا ؛ أما الحقيقة فمثل قولهم : رأيته بعيني ، وقبضته بيدي ، ووطئته بقدمي ، وذقته بفمي ، وكل هذا يظن الظان أنه زيادة لا حاجة إليها ، ويقول : إن الرؤية لا تكون إلا بالعين ، والقبض لا يكون إلا باليد ، والوطء لا يكون إلا بالقدم والذّوق لا يكون إلا بالفم ، وليس الأمر كذلك ، بل هذا يقال في كل شيء يعظم مناله « 1 » ويعز الوصول اليه ، فيؤكد الأمر فيه على هذا الوجه دلالة على نيله والحصول عليه ، كقول أبي عبادة البحتري « 2 » ؛
--> ( 1 ) في ا ، ب ، ج « يعظم مثاله » وتأمل في قوله بعد ذلك « دلالة على نيله والحصول عليه » تدرك أن « يعظم مناله » بالنون أولى . ( 2 ) من قصيدة يمدح فيها الهيثم الغنوي ، وأولها قوله : رويدك إنّ شأنك غير شاني * وقصرك ؛ لست طاعة من نهاني