ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

115

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

الجرار والخزف ، ولعمري إن الجاحظ عرف فوصف ، وخبر فشكر ، والذي ذكره هو الحق . وعلى هذا الأسلوب جاء قول أبي تمام « 1 » : إنّ القوافي والمساعي لم تزل * مثل النّظام إذا أصاب فريدا « 2 » هي جوهر نثر فإن ألّفته * بالشّعر صار قلائدا وعقودا في كلّ معترك وكلّ مقامة * يأخذن منه ذمّة وعهودا فإذا القصائد لم تكن خفراءها * لم ترض منها مشهدا مشهودا من أجل ذلك كانت العرب الألى * يدعون هذا سؤددا محدودا وتندّ عندهم العلا إلّا علا * جعلت لها مرر القريض قيودا وأما الضرب الثاني : وهو الإيجاز بالقصر ؛ فإن القرآن الكريم ملآن منه ، وقد تقدم القول أنه قسمان : أحدهما : ما يدلّ على محتملات متعددة . فمن ذلك قوله تعالى : لقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى . فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى فقوله : فغشيهم من اليم ما غشيهم من جوامع الكلم التي يستدلّ على قلتها بالمعاني الكثيرة : أي غشيهم من الأمور الهائلة والخطوب الفادحة ما لا يعلم كنهه إلا اللّه ، ولا يحيط به غيره . ومن هذا الضرب قوله تعالى : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فجمع في الآية جميع مكارم الأخلاق ؛ لأن في الأمر بالمعروف صلة الرحم ، ومنع اللسان عن الغيبة وعن الكذب ، وغضّ

--> ( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها خالد بن يزيد الشيباني ، وأولها قوله : ظلل الجميع لقد عفوت حميدا * وكفى على رزئي بذاك شهيدا ( 2 ) في الديوان « مثل الجمان » .