ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
116
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
الطرف عن المحرمات ، وغير ذلك ، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم ، وغيرهما . وقال بعض الأعراب في دعائه : اللهم هب لي حقّك ، وأرض عني خلقك ؛ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذا هو البلاغة » . ومن ذلك قوله عزل وجلّ : أولئك لهم الأمن ؛ فإنه دخل تحت الأمن جميع المحبوبات ، وذلك أنه نفى به أن يخافوا شيئا من الفقر والموت وزوال النعمة ونزول النقمة ، وغير ذلك من أصناف المكاره . وأشباه هذا في القرآن الكريم كثيرة ؛ فهو يكثر في بعض الصور ، ويقلّ في بعض ، قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من شاء يرتع في الرّياض الأنائق فعليه بآل حم » . ومن ذلك قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الخراج بالضّمان » ؛ وذاك أن رجلا اشترى عبدا ، فأقام عنده مدة ، ثم وجد به عيبا ، فخاصم البائع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فردّه عليه ؛ فقال : يا رسول اللّه ، إنه استغلّ غلامي ، فقال : « الخراج بالضمان » ومعنى قوله : « الخراج بالضمان » أن الرجل إذا اشترى عبدا فاستغلّه ثم وجد به عيبا دلّسه عليه البائع فله أن يردّه ويسترجع الثمن جميعه ، ولو مات العبد أو أبق أو سرقه سارق كان في مال المشتري ، وضمانه عليه ، وإذا كان ضمانه عليه فخراجه له : أي له ما تحصّل من أجرة عمله . وأما ما ورد شعرا ، فقول السّموءل بن عاديا الغسّاني من جملة أبياته اللامية المشهورة ، وذلك قوله منها « 1 » : وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها * فليس إلى حسن الثّناء سبيل فإن هذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق جميعها : من سماحة ، وشجاعة ، وعفة ، وتواضع ، وحلم ، وصبر ، وغير ذلك ؛ فإن هذه الأخلاق كلها من ضيم النفس ؛ لأنها تجد بحملها ضيما : أي مشقة وعناء .
--> ( 1 ) تقدم كثير من أبيات هذه القصيدة في الجزء الأول من هذا الكتاب .