ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
106
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
واعلم أن العرب قد حذفت من أصل الألفاظ شيئا لا يجوز القياس عليه ، كقول بعضهم « 1 » : كأنّ إبريقهم ظبي على شرف * مفدّم بسبا الكتّان ملثوم « 2 » فقوله « بسبا الكتان » يريد بسبائب الكتان « 3 » ، وكذلك قول الآخر : يذرين جندل حائر لجنوبها * فكأنّما تذكي سنابكها الحبا « 4 » فهذا وأمثاله مما يقبح ولا يحسن ، وإن كانت العرب قد استعملته فإنه لا يجوز لنا أن نستعمله .
--> ( 1 ) هو علقمة بن عبدة ، من قصيدة طويلة أولها قوله : هل ما علمت وما استودعت مكتوم * أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم ( 2 ) شبه الإبريق بظبي في طول عنقه وإشرافه ، وجعله على شرف وهو المكان العالي المشرف لأن ذلك مما يزيد في طول عنقه للناظر ، ومفدم - بالفاء - جعل الفدام - بزنة كتاب - على فيه ، والقدام : خرقة تجعل في فم الإبريق ، ووقع في الأصول « مقدم » بالقاف ، وهو تحريف . ( 3 ) سبائب الكتاب : جمع سبيبة ، وهي الشقة مطلقا ، وقيل : هي الشقة البيضاء ، ومثل الحذف في هذا البيت قول لبيد : درس المنا بمتالع فأبان * وتقادمت بالحبس فالسّوبان ( 4 ) وقع هذا البيت في ا ، ب ، ج على صورة من التحريف الغريب ، وهي : بدر بن جندل حائز لجنوبها * فكأنما تذكي سنابكها الحبا والصواب ما أثبتناه ، وهو في اللسان ( ح ب ح ب ) ويذرين : مضارع أذرى مسندا إلى نون النسوة والمراد بها الخيل ، والجندل : الصخر ، والحائر - بالراء المهملة ، وأراد الحباحب وهو رجل من بني محارب بن خصفة ، وكان لا يوقد ناره إلا بالحطب الشخت لئلا ترى ، فضرب بناره المثل ؛ لأنه كان لا يوقد إلا نارا ضعيفة مخافة الضيفان ، فقالوا : نار الحباحب ، لما تنيره الخيل بحوافرها ، وربما جعلوا الحباحب اسما لتلك النار ، كما قال الكسعي : ما بال سهمي يوقد الحباحبا * قد كنت أرجو أن يكون صائبا ويقال : الحباحب : طائر أطول من الذباب في دقة يطير فيما بين المغرب والعشاء كأنه شرارة . ومعنى البيت الذي نحن بصدد شرحه أن هذه الخيل تذري الحصا في جريها فتصبب به جنوبها .