ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
107
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وأما القسم الثاني من الإيجاز فهو ما لا يحذف منه شيء ، وذلك ضربان : أحدهما : مأساوي لفظه معناه ، ويسمى التقدير ، والآخر : ما زاد معناه على لفظه ، ويسمى الإيجاز بالقصر . فأما الإيجاز بالتقدير فإنه الذي يمكن التعبير عن معناه بمثل ألفاظه وفي عدتها . أما الإيجاز بالقصر فإنه ينقسم قسمين : أحدهما : ما دل لفظه على محتملات متعددة ، وهذا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها ، والآخر : ما يدل لفظه على محتملات متعددة ، ولا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها ، لا ، بل يستحيل ذلك . ولنورد الآن الضرب الأول الذي هو الإيجاز بالتقدير ، فمما جاء منه قوله تعالى : قتل الإنسان ما أكفره . من أي شيء خلقه . من نطفة خلقه فقدره . ثم السبيل يسره . ثم أماته فأقبره . ثم إذا شاء أنشره . كلا لما يقض ما أمره فقوله قتل الإنسان دعاء عليه ، وقوله ما أكفره تعجب من إفراطه في كفران نعمة اللّه عليه ، ولا نرى أسلوبا أغلظ من هذا الدعاء والتعجب ، ولا أخشن مسّا ، ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه ، ولا أجمع للّائمة على قصر متنه ، ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه ، فقال من أي شيء خلقه ثم بين الشيء الذي خلق منه بقوله من نطفة خلقه فقدره أي : هيأه لما يصلح له ثم السبيل يسره أي : سهّل سبيله وهو مخرجه من بطن أمه ، أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير والشر ، والأول أولى ؛ لأنه تال لخلقته وتقديره ، ثم بعد ذلك يكون تيسير سبيله لما يختاره من طريقي الخير والشر ثم أماته فأقبره أي : جعله ذا قبر يوارى فيه ثم إذا شاء أنشره أي : أحياه كلا ردع للإنسان عما هو عليه لما يقض ما أمره أي : لم يقض مع تطاول زمانه ما أمره اللّه به ، يعني أن إنسانا لم يخل من تقصير قط ، ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك ، لأنك كنت تذهب بجزء من معناه ، والإيجاز : هو ألّا يمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه .