صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي
242
أنس المسجون وراحة المحزون
الذي كان في يده . فقال : يا أمير المؤمنين ، ما خامر لحمي ودمي قطّ فاعفني . فأعفاه ، ثم قال : أنشدني شعرا . فقال : إنّي لقليل الرّواية للأشعار . فقال : لا بدّ . فأنشده « 1 » : باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرّجال فلم تنفعهم القلل واستنزلوا بعد عزّ من أماكنهم * وأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرّة والتّيجان والحلل « 2 » أين الوجوه التي كانت منعّمة * من دونها تضرب الأستار والكلل « 3 » فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدّود تقتتل قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا قال : فأشفق من حضر على عليّ بن محمد ، وظنّوا أنّ بادرة ستبدر إليه من المتوكّل ، فو اللّه لقد بكى المتوكّل بكاء طويلا حتى بلّ لحيته بدموعه ، وبكى من حضره ، وأمر برفع الشّراب ، وقال : يا أبا الحسن ، لقد ليّنت منّا قلوبا قاسية ، وذكّرتنا ما أنساناه النّعم ، فأقسم باللّه عليك ، أعليك دين ؟ فقال : نعم ، أربعة آلاف درهم . فأمر بدفعها إليه ، وأمر بردّه إلى منزله من ساعته مكرما . « 632 » - عديّ بن زيد العبادي :
--> ( 1 ) جاء في عيون الأخبار 2 / 303 : بلغني أنه قرئ على قبر في الشام . وفي المستطرف ( 513 ) قال وهب بن منبه : أصبت على قصر غمدان ، وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء اليمن ، وكان من الملوك الأجلّة ، مكتوبا بالقلم المسندي فترجم بالعربي ، فإذا هي أبيات جليلة ، وموعظة عظيمة جميلة ، وهي هذه الأبيات : . . . والأبيات في الحماسة المغربية 2 / 1407 . ( 2 ) في الأصل : والكلل . والمثبت من مصادر الخبر . ( 3 ) في الأصل : والحلل . والمثبت من مصادر الخبر . والكلل : جمع كلّة وهي الستر الرقيق يتوقى به البعوض ، ويسمّى الناموسيّة . متن اللغة ( كلل ) . ( 632 ) - الديوان صفحة 87 ، من قصيدة مطلعها : أرواح مودّع أم بكور * لك فاعلم لأي حال تصير قالها في السجن مستعطفا النعمان بن المنذر .