صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

201

أنس المسجون وراحة المحزون

ولم يفرّق بين عبد الملك الذي عناه جعفر وبينه ، وكان من جلالة القدر والتقشّف والامتناع من منادمة الرشيد على أمر جليل ، وكان الرّشيد قد اجتهد أن يشرب قدحا معه فلم يقدر ولم يفعل رفعا لسبقه « 1 » . فلما رأيناه مقبلا ، أقبل كلّ واحد منّا ينظر لصاحبه ، وكاد جعفر أن ينشقّ غيظا . وفهم الرّجل حالنا ، فأقبل نحونا حتّى إذا صار إلى الرّواق الذي نحن فيه نزع قلنسوته فرمى بها مع طيلسانه جانبا ، ثم قال : أطعمونا شيئا . فدعا جعفر بالطعام ، وهو منتفخ غيظا وغضبا ، فطعم ثم دعا برطل فشربه ثم أقبل إلى المجلس الذي نحن فيه ، وأخذ بعضادتي الباب « 2 » ، وقال : أشركونا فيما أنتم فيه . فقال له جعفر : ادخل . فدخل ، ثم دعا بقميص جديد ، وخلوق ، فلبس وتخلّق ، ثم دعا برطل فشربه ورطل حتّى شرب عدّة أرطال ، ثم اندفع فغنّى ، فكان واللّه أحسننا جميعا غناء ، فلما طابت نفسه ونفس جعفر وسرّي عنه ما كان به التفت إليه ، وقال له : ارفع حوائجك . فقال : ليس هذا موضع حوائج . فقال : لتفعلنّ . ولم يزل يلحّ عليه حتى قال : أمير المؤمنين عليّ واجد ، وأريد أن تترضاه . قال : فإنّ أمير المؤمنين قد رضي عنك ، فهات حوائجك كما أقول . قال : عليّ دين فادح . قال : هذه أربعة آلاف ألف درهم ، فإن أحببت أن تقبضها من مالي السّاعة فاقبضها ، فإنّه ما يمنعني إعطاءك إيّاها إلّا أن قدرك يجلّ أن يصله مثلي ، ولكنّي ضامن لك إيّاها من مال أمير المؤمنين غدا ، فسل أيضا . قال : أحبّ أن تكلّم أمير المؤمنين بولدي لينوّه باسمه . فقال : قد ولّاه أمير المؤمنين مصر ، وزوّجه الغالية ابنته ،

--> - أنه يطلب الخلافة ، فحبسه ببغداد ، ولما مات الرشيد أطلقه الأمين وولاه الشام والجزيرة ، فأقام بالرقة إلى أن توفي سنة 196 ه . كان من أفصح الناس وأخطبهم ، له مهابة وجلالة . الأعلام . ( 1 ) كذا في الأصل ولعلها : لنفسه وفي الفرج بعد الشدة : ترفعا . ( 2 ) عضادتا الباب : الخشبتان المنصوبتان المثبّتتان في الحائط على جانبيه . القاموس المدرسي ( عضد ) .