صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي
197
أنس المسجون وراحة المحزون
لنا غير هذه الصّبابة ، فآثرناك بها على أنفسنا ، واستللناها لك من أفواهنا ، ولو بعثت « 1 » إليّ لأنفذت إليك منها ما يكفيك ، فأتاك عفوا ولم تتجشّم إلينا سفرا ولا مشقّة ، ولم تحتج إلى سوانا ، وذلك لك مني أبدا ما بقيت . فأقسمت عليك لما أصبحت [ إلا ] « 2 » على ظهر ناقتك ، وتداركت أهلك فخلّصتهم من هذه المحنة . فقمت إلى ناقتي فإذا هي قد ضعفت فقال : ما أرى في ناقتك فضلا ، يا غلام ، ناقتي الفلانية . فجاء بها برحلها فكانت واللّه أحبّ إليّ من كلّ ما ساقه إليّ ، ثم دعا بناقتين فأوقرهما بالمال والثياب وزاد يكفيني لطريقي ، ووهب لي عبدين ، وقال : هما يسقيان لك ، ويرعيان إلى أن ترد ، فإن شئت ترتبطهما وإن شئت تبيعهما . أفألام أن أغصّ حذار سخط هذا بريقي فضلا عن الماء القراح ؟ « 506 » - مرّ يزيد بن المهلّب بأعرابيّة في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز فقرته عنزا ، فقبلها ، ثم قال لابنه معاوية : ما معك من النّفقة ؟ فقال : ثمان مئة دينار . فقال : ادفعها إليها . فقال : يا أبه ، إنّك تريد الرّجال ولا يكون الرجال إلّا بالمال ، وبعد فهذه يرضيها اليسير ، وهي لا تعرفك . فقال : إن كانت ترضى باليسير فأنا لا أرضى إلّا بالكثير ، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي . ادفع إليها المال . « 507 » - وذكر العتبي قال : أشرف عمر بن هبيرة الفزاري « 3 » من قصره يوما
--> ( 1 ) في الأصل ما صورته : بعدثت . ولعل الصواب ما أثبتناه . ( 2 ) ما بين المعقوفين مستدرك من الفرج بعد الشدة . ( 506 ) - الكامل 1 / 180 ، والعقد الفريد 1 / 306 ، ونهاية الأرب 3 / 211 . ( 507 ) - المستجاد 236 ، والمستطرف 179 ، وفيات الأعيان 5 / 248 . واختلف في الأمير الذي يدور عليه الخبر ففي المستجاد : خالد بن عبد اللّه القسري ، وفي وفيات الأعيان : معن بن زائدة . ( 3 ) عمر بن هبيرة بن سعد الفزاري ، أبو المثنى ، أمير من الدهاة الشجعان ، كان رجل أهل الشام ، وهو بدوي أمي ، ولاه عمر بن عبد العزيز الجزيرة فغزا الروم وأسر منهم -