صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي
18
أنس المسجون وراحة المحزون
الكتاب إن الكتاب على صغر حجمه ، ودقة جرمه له أهميته ومنزلته في المكتبة العربية ، وهذه المنزلة تتبدّى أولا بعنوانه ، فهو أوّل كتاب يفرد في عنوانه « السجن » ويجعل منه علامة يتوقف عندها ، ومنبرا يشدّ القارئ إليه ، فانفراده وأوّليته - في هذا المضمار - في أدبنا العربي ، وربّما يكون أوّل كتاب يوقف لدراسة هذه الظاهرة في الآداب العالمية ، يدللّ على إنسانية أدبنا ، وتعاطفه مع الإنسان في جميع حالاته : بسموّه وارتفاعه ، بوسطيّته واعتداله ، بانحرافه وضلاله ، فيبقى الإنسان إنسانا ، ويبقى الأصل : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ الروم : 30 ] وتبقى حالة التمرّد والعصيان هي الحالة الشاذة العابرة ، واستطاع أدبنا أن يكون مع هذه الحالات الثلاث مع الإنسان وله . وتتبدّى أهمية الكتاب أيضا بنصوصه ومادّته ، فإن كثيرا من نصوصه يكاد ينفرد بها ، ويقف شاهدا على كتب فقدت من مكتبتنا ، انظر على سبيل المثال الأخبار ( 252 انظر الصفحة 99 منه ، 412 ، 513 ، 602 ) . والكتاب يعدّ من كتب الأدب العامة ، ولئن كانت تسميته ب : « أنس المسجون وسلوة المحزون » فإنّما هو من باب تسمية الكلّ باسم الجزء . وعادة تسمية الكل باسم الجزء عادة متّبعة في تراثنا تستند لنفاسة هذا الجزء ، أو لأنّ مدار الكتاب عليه ، وفي القرآن الكريم سميت كثير من السور باسم آيات فيها : كسورة البقرة ، سميت باسم البقرة لورود قصتها في آيات منها ، وسورة هود ، ومريم . . . ومن هذا الباب سمّى أبو تمام كتابه « الحماسة » .