صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

163

أنس المسجون وراحة المحزون

الحياء يجول في وجهه ووجه الرشيد . فدنا الأمويّ ، وسلّم بالخلافة ، فردّ عليه الرّشيد ردّا جميلا ، وأمره بالجلوس ، فجلس ، وأقبل عليه الرّشيد يسائله عن حاله ، ثم قال له : بلغنا عنك فضل هيئة ، وأمور أحببنا معها أن نراك ، ونسمع كلامك ، ونحسن إليك ، فاذكر حاجتك . فأجاب الأموي جوابا جميلا وشكر ودعا وقال : مالي إلّا حاجة واحدة . فقال : مقضيّة ، فما هي ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، تردّني إلى بلدي وأهلي وولدي . قال : نحن نفعل ذلك ، ولكن سل ما تحتاج إليه من مصالح جاهك ومعاشك ؛ فإنّ مثلك لا يخلو أن يحتاج إلى شيء من هذا . فقال : عمّال أمير المؤمنين منصفون ، وقد استغنيت بعدله عن مسألته من ماله ، وأموري مستقيمة ، وأحوالي منتظمة ، وكذلك أحوال أهل بلدي بالعدل الشّامل في ظلّ دولة أمير المؤمنين ، وما أغتنم ماله . فقال الرشيد : انصرف محفوظا إلى بلدك ، واكتب إلينا بأمر إن عنّ لك . فودّعه الأمويّ . فلما ولّى خارجا ، قال الرّشيد : يا منارة ، احمله من وقتك وسر به راجعا حتى إذا أوصلته إلى المجلس الذي أخذته منه ، فدعه فيه وانصرف . ففعلت ما أمر به . « 374 » - قال : وقيل : كان الأفشين « 1 » نقم على أبي دلف العجلي « 2 » ، وهو مضموم إليه في حرب بابك « 3 » أشياء ، فلما ظفر ببابك ، وقدم من سرّ من رأى

--> ( 374 ) - الفرج بعد الشدة 2 / 70 . والخبر بنحوه في الأغاني 8 / 250 ، ووفيات الأعيان 1 / 82 . ( 1 ) الأفشين - بكسر الهمزة وفتحها - أبو الحسن واسمه خيذر - بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها ، وفتح الذال المعجمة - بن كاوس ، من أعظم قواد الدولة العباسية ، قضى على حركة بابك الخرمي التي استمرت عشرين سنة ، أخذه المعتصم وسجنه ، ومنع من الطعام حتى مات أو خنق ، اتهم بالزندقة ، وأعدت له محكمة لتبرير قتله ، مات سنة ( 226 ) وفيات الأعيان 5 / 123 ، والعبر 1 / 395 ، وتاريخ الطبري 9 / 104 وما بعدها . ( 2 ) دلف : بضم الدال المهملة ، وفتح اللام ، وبعدها فاء ، وهو اسم علم لا ينصرف لاجتماع العلمية والعدل ، فإنه معدول عن دالف . وفيات الأعيان 4 / 78 . ( 3 ) بابك الخرّمي : أظهر مذهب الباطنية في أذربيجان ، وحارب الدولة العباسية عشرين -