صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

162

أنس المسجون وراحة المحزون

دمي على يده ، فلو اجتمع أهل الأرض والسّماء على صرف ذلك عنّي لما استطاعوه ، فلم أتعجّل الهمّ والغمّ وأتسلّف الفكر فيما قد فرغ اللّه منه ؟ وإنّي حسن الظنّ باللّه الذي خلق ورزق ، وأمات وأحيا ، وفطر وجبل ، وأحسن وأجمل ، وأين الصّبر والرّضا ، والتّفويض والتّسليم إلى من يملك الدّنيا والآخرة ؟ وقد كنت أحسب أنّك تعرف هذا ، فإذا قد عرفت مبلغ فهمك فإنّي لا أكلّمك كلمة حتى تفرّق بيننا حضرة أمير المؤمنين قريبا إن شاء اللّه . ثم أعرض عنّي فما سمعت له لفظة بغير القرآن والتّسبيح إلّا أن يطلب ماء أو حاجة تجري مجراه ، حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثالث عشر بعد الظّهر وإذا النّجب قد استقبلتني على فراسخ من الكوفة يتحسّسون خبري ، فلما رأوني رجعوا متقدّمين بالخبر إلى الرّشيد ، فانتهيت إلى الباب في آخر النهار ، وحططت . ودخلت على الرّشيد ، فقبّلت الأرض بين يديه ووقفت ، فقال : هات ما عندك ، وإيّاك أن تغفل منه لفظة واحدة . فسقت الحديث من أوّله إلى آخره حتى انتهيت من فراغ الأموي من الفاكهة والطّعام والغسل والطّهور والبخور والصّلاة ، وما حدّثت به نفسي من امتناعه . والغضب في وجه أمير المؤمنين يتزايد حتى انتهيت إلى فراغه من الصلاة ، وانفتاله إليّ ، ومسألته عن سبب قدومي ، ودفعي الكتاب إليه ، ومبادرته إلى إحضار ولده وأسبابه ، وحلفه ألّا يتبعه أحد منهم ، وصرفه إيّاهم ، ومدّ رجليه حتّى قيّدته . فما زال وجه الرّشيد يسفر حتى انتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخي إيّاه . فقال : صدق واللّه ، صدق ، ما هذا إلّا رجل محسود على النّعمة ، مكذوب عليه ؛ لتزول نعمته . ولعمري ، لقد آذيناه وأزعجناه وروّعناه ورعّبنا أهله . فبادر بنزع قيوده عنه ، وائتني به . فخرجت ، فنزعت قيوده ، وأدخلته فما هو إلّا أن رآه حتّى رأيت ماء