الفيض الكاشاني
21
مجموعة رسائل
حيث قال : « ثُمّ خَلَقَ الْجَهْلَ مِنَ الْبَحْرِ الْأجَاجِ ظُلْمَانِياً » ( « 1 » ) الحديث . والأولى ، هي دار الحياة والنور ومعدن الإدراك والسرور وموضع السعادة والغناء ومحلّ المقامة والبقاء ، « الّتى لا يمسّ أهلها فيها نصب ولا يمسّهم فيها لغوب » ، « فيها ما تشتهى الأنفس وتلذّ الأعين » ( « 2 » ) ، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ؛ وبالجملة هي مظهر الجنّة الّتى وعد المتّقون . والثانية ، هي دار الموت والظّلمة ومعدن الجهل والغمّة ( « 3 » ) وموضع الشقاوة والفقر والفناء ومحلّ التغير والزوال والانقضاء ، « أَقْرَبُ دَارٍ إلَى ( « 4 » ) سَخَطِ اللهِ وَأَبْعَدُهَا مِنْ
--> ( 1 ) - المصدر ؛ قال المؤلّف في ( الوافي : 1 / 62 - 63 ) : « « ثمّ خلق الجهل » وهو جوهر نفسانيّ ظلمانيّ خلق بالعرض وبتبعيّة العقل من غير صنع العقل ، يقوم به كلّ ما في الأرض من الشرور والقبائح ، وهو بعينه نفس إبليس وروحه الذي به قوام حياته الذي تشعّب منه أرواح الشياطين ، ثمّ خلقت من ظلماتها أرواح الكفّار والمشركين « من البحر الأجاج » من المادّة الجسمانيّة الظلمانيّة الكدرة التي هي منبع الشرور والآفات في هذا العالم ، وهو إشارة إلى علّته القابليّة ، قال الله تعالى : « وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ » أي كان بناء العالم الجسمانيّ وقوامه على المادّة التي لها قبول كلّ خير وشرّ كالماء القابل للتشكّلات المختلفة بسهولة ، فمنه عذب فرات ومنه ملح أجاج . وقال أبو جعفر الباقر : « إنّ الله تعالى قبل أن يخلق الخلق قال : كن ماءً عذبذ أخلق منك جنّتي وأهل طاعتي وكن ملحذ أجاجذ أخلق منك ناري وأهل معصيتي ، ثمّ أمرهما فامتزجا ، فمن ذلك صار يلد المؤمن كافرذ والكافر مؤمنذ . ويؤيّد هذا التشبيه والتجوّز ويشيّده ما يقال : إنّ نسبة المادّة إلى مقبولاتها التي هي لابِستها وخالِعتها من الصور والأعراض نسبة البحر إلى الأمواج » . ( 2 ) - أشار إلى الآيتين : « الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ » ، فاطر : 35 ؛ « وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ » ، الزّخرف : 71 . ( 3 ) - في د : النّقمة . ( 4 ) - في المصدر : من .